الرئيسية / ثقافة / يا ليتني مِتُّ قبل هذا!

يا ليتني مِتُّ قبل هذا!

يا ليتني مِتُّ قبل هذا!
بقلم : عبد الفتاح خطاب

سُئلت: لماذا تأخرت في الكتابة عن «بيروتك» التي تعشق وتُحبّ، وتمتلكُ منك العقل والقلب والوجدان؟!

ماذا اكتب عن بيروت التي ما فتئ أعداؤها في الداخل والخارج، ومنذ عقود، يحاولون نحرها واغتيالها، سياسياً واقتصادياً ومالياً وعمرانياً وديموغرافياً وبيئياً وصحياً، بينما أنا وغيري نُدافع عنها بالكتابة، وبتعليقات التواصل الاجتماعي، والنقّ والتململ والتذمّر والتأفف والتنديد، وفي أحسن الأحوال بعقد المؤتمرات واللقاءات وإصدار البيانات الطنّانة بين الحين والآخر!

ماذا اكتب عن بيروت المنكوبة في بشرها وحجرها، وتاريخها وتراثها وهويتها العمرانية ودورها، عن أم الكوارث التي وقعت ولم يسبق مثيل لها في التاريخ سوى كارثة هيروشيما التي حصلت ضمن إطار حرب عالمية!

ماذا اكتب عن مواكب عشرات الجنازات، وأنين وآهات الآف الجرحى، وبكاء ودعاء ورجاء المئات من عائلات المفقودين، وحيرة وقلق الساعين إلى معرفة هوية أصحاب الجثث المجهولة. 

كانت بيروت الحزينة تتنفس «من قلّة الموت»، والآن توقفت الحياة فيها. اغتالها الفساد والاستهتار والتواطؤ والفشل والأنانية والمحاصصة والتجاهل والحصار، وما حصل ليس مجرّد قضية قضاء وقدر!

شظايا زلزال الانفجار الكبير أصابت بيروت في قلبها، وشوّهتها في صميم روحها وانفاسها وعبقها، وفي ناسها وجمادها ومبانيها وأشجارها وهوائها وأزقتها وحكاياتها… ربما تؤدي إلى اسقاطها بالضربة القاضية.

لا يُمكن تقدير حجم الفاجعة والأهوال في غياب الأرقام والإحصاءات الدقيقة، وربما ستمُرّ فترة طويلة جداً قبل أن نتبيّن حجم وهول ما حصل.

أنا استهجن تقاذف مسؤولية جريمة العصر بين المسؤولين الفاشلين كلُّ يغسل يديه ويقول أنّه قد بلّغ، ونكتة لجنة التحقيق في إطار زمني مدته خمسة أيام، ولا أثق بجميع مسؤولي ودوائر وأجهزة الدولة وعلى رأسها القضاء المُسيّس، وأخاف أن يخفي غبار الانفجار المرعب جميع الوقائع والحقائق.

كما أخشى المزيد من الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي الذي ستدفع بيروت الجريحة ثمنه حتماً، وغالياً، ومطوّلاً.

إن مناداة «ست الدنيا» بيروت كي تقوم من تحت الردم سيبقى نداء شاعرياً ما دام ليس هناك «بيارتة» ولبنانيين يُمكنهم انتزاع زمام الأمور، والاقتصاص من المجرمين الفاعلين «الموصوفين المجهولين المعروفين»! 

من بين ركام العاصمة أعلن أن الغضب والحنق والصراخ والدموع والحزن لا تكفي ولن تجدي نفعاً، ووحده الحقد الدفين المُتأجج المُعلن، والثأر العاجل من الطاقم السياسي بأكمله، ربما قد يشفي الغليل ويبدأ بوضع الأمور في نصابها، والمسار على السكة القويمة.

إنني أستغيث بالله القويّ القهّار الجبّار القادر المُهيمن المُذلّ المُميت المُنتقم… بعدما خذلَ بيروت كل مغيث من البشر! 

وإنني حزين مكلوم مقهور مصدوم ومذهول، ويا ليتني مِتُّ قبل هذا!

حسبي الله ونعم الوكيل.

عن mediasolutionslb

شاهد أيضاً

محفوظ : أشدد على “دور الاعلام في تعزيز فكرة المواطنة لمواجهة الطائفية، هذا هو دوره الحقيقي ليكون منصة للتغيير”.

أكد رئيس المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ في حديث الى “تلفزيون لبنان”، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *