صعب للدراسات تستذكر مؤسسها بالذكرى ال 29 لرحيله
حسن صعب : الحالم والساعي إلى مثالية في انسان ووطن وامة

بلعل افضل ما يكتب عن حسن صعب في ذكرى رحيله هو ما كتبه هو. فقد كان معتاداً ان يكتب مذكراته اليومية ليلاً قبل النوم، وفي مقدمة كتبها ليلة غيابه كتب : “خلقنا لنحيا، الحياة وحدها تستحق ان نكونها، وأنا اريد ان اكون، اريد ان احيا، اريد ان اتحرك، اريد ان اخلق، اريد ان اذهب إلى تونس، لاحارب من احارب في “الكسو” ولأسالم من اسالم. وهكذا كان وجودي في هذه المنظمة بعد ان اقتحمت لبنان فيها عام 1985 بعد مقاطعة خمسة عشر عاماً، لماذا فعلت ذلك؟.. لأن لبنان عربي، بل رائد في منظمة الثقافة العربية”.
ذلك هو حسن صعب في ديناميكيته التي لم تهدأ على مدار حياته، هو الازهري المستنير. الباحث في السياسة دون امتهان واحتراف، الدبلوماسي العامل على شد الاواصر في لبنان والعالم، والذي اعطى جزءاً كبيراً من حياته وجهده لندوة الدراسات الإنمائية في هدف سام هو إنماء الانسان اساس الوطن والمواطنية، وفي ممارسته لعمادة كلية الاعلام والتوثيق كانت ممارسته نظرية وعملية.
حسن صعب العربي الفاهم لجدية الترابط بين الهوية اللبنانية والهوية العربية عمل من منطلق هذا الفهم.
ومن ادراكه لاهمية التواصل بين الاسلام والمسيحية الذي منح لبنان صفة “الوطن القدوة .. المصفى الابداعي للوحدة في التنوع، في التمدن العربي والتحضر الانساني” والذي استفاض في الإضاءة عليه في بناءه الفكري “الاسلام وتحديات العصر”.
حسن صعب احد فرسان استنارة زمن الاحلام، في الذكرى التاسعة والعشرين لغيابه تقدم “مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث ” في هذا البيان بعضاً من تقدير يستحقه هو الحالم والساعي إلى مثالية في انسان ووطن وامة.
ايها الكبير في العلم والوطنية ما زال الوطن يئن من وطأة جراح الحروب،
ايها العقلاني المترع برحيق الانماء والمحبة لكل انسان ولكل الانسان، ما زال انسان الوطن يزداد عطشا وجوعا ويفتش عن مسكن ودواء،
ايها المبشر بالحرية وداعية الاستقلال والوحدة، يا امام الحكمة، ايها اللبناني الفذ، ايها العربي المسكون بهاجس المستقبل، ايها المسلم المتنور المتفهم تحديات العصر، ان منابر بيروت مشتاقة الى كلماتك المضيئة، وان ندوات الثقافة والهيئات المتعاونة وفية لرسالتك، ولبنانك وعروبتك واسلامك ستبقى هي النبراس وهي البوصلة۔
– في الإسلام : كتب في كتبه الثلاثة : “إسلام الحرية لا إسلام العبودية” و “الإسلام وتحديات العصر”، و “الإسلام والإنسان” وكأني به يصرخ وبأعلى صوته : بأن توحيد الله، هو تحرير للبشر، من كل ما يفرقهم !! لأن الله سبحانه وتعالى، هو المحرر الأول والآخر، فلم، لا يتلازم المفهوم القرآني هذا، من منطلق النظرة التوفيقية، التحاورية، الشمولية بين الديانتين العظيمتين، على أساس أن المؤسسة الإسلامية حوارية !! بدليل مجادلتها أهل الأديان والفلسفات والإيديولوجيات، بالتي هي أحسن، خصوصاً وأن رسالة المسيحية والإسلام، غايتها : إيقاظ وعي الإنسانية بالخالق العظيم، المتخلق في نظامية الكون وغائيته، وتحرير الإنسان، تحريراً شاملاً، متسائلاً أفلا لبنان : هو الملتقي الفريد للمسيحية والإسلام والتجسيد الحياتي الخلاق لتلك الرسالة؟؟
بهذا المنطق الحواري البناء، ألسنا اليوم بحاجة كأمثال الدكتور حسن صعب ؟؟
ولعل حسن صعب هو من المفكرين القلائل – ليس فقط في لبنان وانما على امتداد العالم الاسلامي قاطبة – الذين اكتنهوا بعمق جوهر الحداثة من جهة وجوهر الاسلام من جهة اخرى، وخلص من هذا الفهم الى صياغة موقف فكري ملفت في تماسكه وتقدميته۔
فالدين، في رأيه، دعوة لا دولة، لان الدعوة دائمة والدولة زائلة۔ والدين عقائد لااحكام لان العقائد ثابتة والاحكام تتغير بتغير الزمان والمكان، والدين اخوة لا عصبية، لان الاخوة سبيل النجاة والعصبية سبيل الهلاك، والدين ايثارية خلقية لا طائفية انانية ولا مذهبية استغلالية۔ والدين عبادات، تسمو بالنفوس لا طقوس تستهويها۔ ان الدين يغير النفس ليرسل فيها الوازع الذاتي، والذي يغنيها عن الوازع الخارجي من قانون او دولة

(1)۔في ضوء ذلك كيف فهم مفكرنا دور المسلم المعاصر من دينه؟ وما هي العلاقة التي طرحها بين العلمنة والاسلام؟ لقد كانت الدعوة الى العقلنة والتحديث هي المحور الاساسي في ما كتب وحاضر، ولا يمكننا ان نحيط۔ في هذه العجالة الصحفية، بكل جوانب العمارة الفكرية التي انجزها في هذا المجال، ولكن حسبنا ايراد بعض منطلقاته:
يؤكد مفكرنا انه يجب على المسلمين القيام بمراجعة فكرية شاملة للاسلام كدين ولتاريخهم ايضا۔ وهذه المراجعة الفكرية المنهجية ضرورية لاعادة اكتشاف حقيقة الاسلام من جديد، ولاعطائها حياة جديدة على ضوء معطيات العصر الذي نعيش فيه

(2)۔باب التجدد مفتوح في الاسلام ما دام باب الاجتهاد مفتوحا۔ وعلى المسلمين ان يجددوا بالعقل والحكمة والتجربة والمصلحة جميع قواعد حياتهم ما دام هذا التجديد لا يتنافى مع ايمانهم بالله وبرسول الله (3)۔موقف الاسلام من الحرية موضح في قوله تعالى (لا اكراه في الدين)، وفي المبدأ الاصولي المعروف: الاصل في الاشياء الاباحة۔ والحرية في الاسلام هي المبدأ الاول والاخير للخلق والكينونة والصيرورة۔ فالله حرية، والخلق حرية۔ والانسان حرية۔

(4)۔ان الاسلام من خلال القرأن ومن خلال الحديث ترك قضية الدولة واصولها وتنظيمها وشكلها لارادة الانسان۔ وعليه فالخلافة او الدولة في الاسلام بعد الرسول هي مولود ارادي انساني صرف

(5)هذا الفهم المتجدد للدين انعكس على تصورمفكرنا للعلاقة بين العلمنة والاسلام۔ فهو يفرق بين العلمانية الملحدة التي ترفض الله، وهي مجال رفض بالنسبة له، ودين العلمنة التي لاتغني الالحادية بل الحرية الاعتقادية، اي ان علمنة الدولة تجعلها تعتبر الاعتقاد او الالحاد امرا شخصيا۔ وهذه اللعمنة هي مجال تأييد من قبل الدكتور صعب (6)۔
وبالنسبة اليه ايضا تبدو العلمنة بمعناها الانساني العام اقرب ما تكون الى العقلنة۔ فلا تتعلق حينئذ بمعضلة تاريخية مؤسسية تجلت في المجتمع الغربي وفي المجتمعا لمسيحي اكثر مما تجلت في اي مجتمع اخر، وهي معضلة العلاقة بين الدولة والكنيسة، ولكنها تتجاوزها الى العلاقة بين العقل والدين، وبين العقل والدولة، والى ماهية دور العقل او دور الانسان في تنظيم حياته السياسية بصورة خاصة وحياته الاجتماعية بصورة عامة (7)۔
وهو يشدد دائما على ان النزعة الى العقلنة والعلمنة كالنزعة الى التدين لا يمكن ان تكون نزعة غربية او شرقية بل هي نزعة انسانية (8)۔ وان علمنة الدولة هي عقلنة الحكم وتأنيسه اقوم مستوى ممكن من العدل بينجميع المواطنين۔ والعدل هو الروح الاسلامي وهو غاية الشرع الالهي۔ ولذلك لا يمكن الا ان يتوافق الاسلام والعلمنة من حيث الروح والغاية (9)۔ وان علمنة الحكم هي تحريره وتحويله من حكم الاكراه والمنافقة الى حكم الحوار والمواثقة۔ واذا تذكرنا ان الاسلام هو دين الاقناع لا الاكراه، وانه دين التناصح لا التنافق ادركنا مدى توافق روحه مع روح العلمانية غير الالحادية (10)۔
وعلى صعيد مسألة السيادة الشعبية يرى علامتنا ان محور الالتقاء بين سيادة الشعب في الحكم الاسلامي والحكم الحديث هو في حق الاجتهاد في الحكم الاسلامي وحق التشريع في الحكم الحديث، وتعني سيادة الشعب او ما تعني بمفهومها الاسلامي حقه في الاجتهاد حول نظام الحكم الاصلح له كما تعني بمفهومها الحديث حقه في اختيار هذا النظام وفي التشريع له۔ وهكذا فمنم حق الجماعة ان ترى في النصف الاخير من القرن العشرين، في علمنة الدولة، او في الديمقراطية العلمانية متجسد العدل (11)۔
لا يكتفي الدكتور صعب بهذا الطرح العام وانما ينتقل الى وضع لبنان فيؤكد ان علمنة الدولة في مجتمع تعددي كلبنان هو فرض تقدمي ووطني ان لم يكن فرضا دينيا اسلاميا ومسيحيا لتحقيق مستوى التقدم الواحد لجميع المواطنين ولتحقيق المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين۔ ثم ان علمنة الدولة تعني اول ما تعني الغاء اي شكل من اشكال التمييز بين جميع المواطنين اللبنانيين باسم الدين او بحكم الطائفة وتحويل لبنان من حكم الطوائف الى حكم الشعب۔ وتصيير الالتزام تجاه الطائفة التزاما تجاه المواطن، اي تطوير نظام الحكم من ديمقراطية اسمية الى ديمقراطية حقيقية (12)۔
– اما لبنانياً : ردم الدكتور حسن صعب : الهوة ما بين الفكر السياسي والحياة السياسية، وشرح البعد الوظيفي لعلاقة الحاكم بالمحكوم، الذي لايقوم سوى : على أساس الثقة والاحترام، والتكافل والتضامن، ملخصاُ علم السياسة اللبنانية، بأربعة كلمات هي : “موضوعه القدرة، وغايته الحرية”!! فكم نحن بحاجة اليوم إليك.
– في العروبة والعرب وثقافة العرب ، كتب : “العرب يُبدعون مستقبلهم” ونظرة جديدة إلى الإنحاد العربي” و “الإنسان العربي، وتحدي الثورة العلمية والتكنولوجية” و “تحديث العقل العربي”.
– في الثقافة والإعلام : دعا د.حسن صعب. إلى التواصل بين مختلف الثقافات، مع المحافظة على الاستقلال، والتكافؤ فيما بينها، وآمن بأ، أمتنا العربية، هي أمة الثقافة، وحدد مصير ثقافتنا العربية، بأنه هو مصير أمتنا العربية، كما لفت إلى ضرورة اصطناع سياسة إعلامية ثقافية، تستند : إلى استراتيجية تخطيطية، تنشيطية، تقضي على التخلف، وتُنمي الإبداع الثقافي، الذي هو حق كل إنسان وإمكان كل إنسان بالقوة، حتى نُؤهله لإنجازه بالفعل، وهكذا كان توّاقاً إلى إرساء قواعد التلازم بين الاعلام والثقافة.
– كرجل حوار : كانت كتابات الدكتور حسن صعب :
فدعا إلى الحوار !! وحاور في شؤون الإنماء، وشؤون الدين الإسلامي، كما في الحقائق المشتركة بين الاسلام والمسيحية، بصورة شفافة وصادقة والحوار عنده، هو سعي وراء حقيقة، قد نكتشفها عند الغير، أو نكتشفها معاً، في مسعانا المشترك المتضامن، المتساند !!
– في الحرية : كان الدكتور حسن صعب يصرح : “هويتي هي حريتي” وأي حوار ممكن من دون حرية ؟؟ نعم هويتي في حريتي، لأ، هويتي في كينونتي، وصيرورتي الإنسانية، وحريتي هي في إنسانيتي !!
وهنا نصرخ : عن الدكتور صعب، كم نحن بحاجة إليك اليوم !! وهو القائل :”لبنان المنُعكس الحر، والباهر للوحدة، في التنوع بين البشر، سيكون كوننا المفضل، كون الحب والإبداع والسلام!!”.
– في السياسة : السياسة بالنسبة للدكتور حسن صعب، هي أسس النشاطات البشرية، التي من خلالها يحقق الإنسان ذاته، ووجوده، لذا فهي أنبل الوظائف الإنسانية – السياسية هي : تساؤل العقل عن الحياة الفضلى، والمدينة الفاضلة، والقانون العادل، والنظام الحق، والحاكم الصالح، والإنسان الحر. إنه كعالم سياسي، يعتقد أن تحسين الحكم، رهن بفقه السياسة، اي بفهم حقيقتها، وقوانينها وحركياتها، فهماً مستقيماً !! إذ إن دارسي السياسة، هم : أشد الدارسين، إتصالاً بحياة المجتمع ومصيره، وبحياة الإنسان ومصيره !! إنهم مهندسون إجتماعيون، يتوقون بجهدهم العلمي المنهجي، وتفكيرهم السياسي، وإختيارهم الحياتي، للإهتداء، بهندسة للمجتمع، تكفل : أن يعيش الإنسان فيه حراً وسعيداً. أما موطن الخطأ الرئيسي في نظرتنا للسياسة، هي : أننا اعتبرناها حتى الآن، نشاطاً سلطوياً محوره: الحاكم !! والنظرة الصحيحة إليها، هي : أنها نشاط إنساني، لنشاطات الإنسانية، وحيث لاتكون هذه العلاقة، لاتكون سياسة، ولا تكون دولة، ولا يكون علم سياسة !!
– في الاقتصاد السياسي : كان الدكتور صعب اول من قارب الإقتصاد والسياسة، وهنا نحن اليوم، نرى أن : الاقتصاد ليس جزءاً من السياسة، بل صنوان، يؤثران ومتأثران، كل منهما بالآخر!! فهل لإستشف الدكتور الراحل بحسه المرهف مستقبل وطنه الذي احبه؟ وأين هو الآن، ليلهمنا اليوم؟؟
نعم لقد كان حسن صعب، رجل الإنماء الرقم واحد في لبنان، فمن فكره إنبثقت : أسمى أفكار الإنماء، ومن مخيلته إنطلقت : أعظم مشروعات الإنماء، وفي كتبه : درس طلابه الإنماء، ومن ندوته : “ندوة الدراسات الإنمائية”: تخرج رواد الإنماء!! فالإنسان هو القيمة، وهو الأداة، وهو الغاية!! منه تنطلق الرؤى، وبه يتم النماء، وإليه يهدف التطور!! والتطور ما هو في المطاف الإنمائي الأخير، الذي يرتقي أعلى درجات التقدم، إلا : تحرر تام، وإنعتاق رائع!!.
الإنماء : علم وممارسة، وسيلة إنسانية، لإغناء حياة الإنسان : مادياً وروحياً، وتحسين ظروفها وتحقيق رفاهها، ودعم إبداعها !! هي وسيلة : مستقبلية المنظور، قيمية المعايير، ديناميكية المنهج، لايحد آفاقها، إلا قدرات الإنسان الموضوعية التي سعى حسن صعب، إلى تفعيلها وتفجيرها بناءاً على قناعته : بأن مدينة الغد الكونية التي يتوق اليها كل باحث إنمائي، وكل مفكر تطويري، إنما هي: مدينة حقوق الإنسان، فيها يُضحي الإنماء الحقيقي، مقترناً بالتحرر الحقيقي، وفيها يتأنسن الإنسان، بقدر ما يتحرر، وفيها يدفع الإنماء الإنسان قدماً نحو “كماله” الذاتي المنشود!!
وفي الختام يكفينا فخراً انك أسهمت في تربية أجيال، وأغنيت الفكر العربي بثمرات ستبقى ذخراً لكل راغب في خدمة مجتمعه.

مؤسسة حسن صعب للدراسات والأبحاث محمد ع. درويش

• بمناسبة الذكرى ال29 لرحيل الدكتور حسن صعب 2019-7-25 :1990-7-25

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

clear formSubmit