الثورة في سبيل التحديث

الثورة في سبيل التحديث *
بقلم د.حسن صعب

نحاول أن نثير في هذه المقالة، التي نقدمها للقارىء العربي في هذا الظرف التاريخي الحاسم، القضية التي نعتبرها قضيتنا الحضارية الأولى، نعني قضية تحديث العقل العربي.
إن قضية العقل العربي هي قضيتنا الحضارية الأولى، لأنها القضية التي تتوقف عليها مواجهتنا لجميع قضايانا المصيرية مواجهة قويمة. فعقلنا هو الذي يقرر مصيرنا، لأنه هو الذي يوفّر لنا الادراك الحقيقي للمعطيات الفعلية لعملية تقرير المصير، فيؤمن لنا الحكمة السياسية بل الحكمة الإنسانية في وجهها الأبسط والأعقد، حكمة إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وحكمة إعتماد الموقف الملائم.
الثورة في سبيل التحديث واجبة في كل دولة من الدولة النامية. والتحديث هو كما تناولناه عملية حضارية ثورية شاملة. وعوائقه كما بيناها هي عوائق قيمية أكثر مما هي عوائق إقتصادية. وما دام التحديث ضرورة للتقدم. والتقدم يجري بالسرعة الخارقة التي نشهدها، فإن التمهل في إزالة عوائقه بإسم التدرج أو التطور هو إيغال في التخلف بوعي وبدون وعي.
إن التحديث هو طريق ثوري للتقدم. إنه يتطلب تغيرات نوعية وكمية سريعة في الفكر والسلوك. وليس هناك من يماري اليوم في ثورية التحديث أو ثورية الانتقال من التخلف إلى التقدم. ولكن التساؤل هو حول العلاقة بين الثورة والعنف. إن الاستقراء التاريخي يدلنا على أن الإنسان يواجه حالات تفرض عليه اختيار العنف طريقاً للحرية والتقدم. وهذا هو شأن الشعب الذي يناضل في سبيل التحرر من الإستعمار. وهذا هو شأن الشعب الفلسطيني في نضاله الفدائي البطولي في سبيل إستعادة وطنه وإسترجاع وجوده القومي. وليس النضال في سبيل التقدم أي في سبيل التحديث أقل خطراً من النضال في سبيل التحرر السياسي. ولذلك يبدو العنف فيه حقاً للإنسان المناضل او الثائر في سبيله إذا تعذر عليه سبيل الإقناع السلمي،.
إننا نواجه هنا، على وجه جديد، معضلة تراوح السياسة بين العنف واللاعنف. ولنستطيع مواجهة الموضوع مواجهة صحيحة، نبدأ بالتمييز بين أمرين : علم السياسة والفلسفة السياسية. الأول يبحث الظاهرة السياسية، أي ظاهرة القدرة في العلاقات الإنسانية بحثاً منهجياً موضوعياً، شاملاً كل ما تنطوي عليه الظاهرة من عناصر خلقية أو غير خلقية. فهو، بمعنى آخر، دراسة السياسة كما هي، بجمالها وقبحها، بعقلانيتها وعنفها، بسلمها وحربها.
أما الفلسفة السياسية فإنها بحث في السياسة كما يجب أن تكون. فالفيلسوف السياسي ينطلق من نتائج البحث السياسي، العلمي الإستقرائي ويتجاوزها إلى بناء مدينته الفاضلة أو إلى وضع مبادىء التنظيم السياسي التي يفضلها على غيرها، أو بحث غايات السياسية التي ينبغي على الناس أن يلتزموا بها. وهنا يلتقي الفكر السياسي بالفكر الخلقي، وهو إلتقاء قديم جديد : قديم لأن جميع الثقافات التي نستقي منها اليوم معارفنا السياسية، كالثقافة اليونانية أو الهندية أو العربية أو الأوروبية الوسطوية لم تميز تميزاً واضحاً بين علم الأخلاق وعلم السياسة. وأرسطو نفسه أعتبر كتابيه في الأخلاقيات والسياسيات جزءين من كتاب واحد. وهو التقاء جديد، لأننا اليوم بالرغم من حرصنا على المنهجية العلمية السياسية وعلى استقلال علم السياسة، لا نستطيع أن نفصل بين الفكر السياسي والفكر الايديولوجي فصلاً تاماً، أي أننا لا نستطيع أن نتفادى في أية حال تقييم وسائل الساسة وغاياتها تقييماً خلقياً أو فلسفياً.
وبضوء هذا التقييم نستطيع أن ننظر إلى السياسة من زاويتين وأن نعتمد في هذه النظرة الاستقراء التاريخي. وهاتان الزاويتان هما، زاوية التنظيم السياسي أو الوسائل، وزاوية السياسة المنبثقة من التنظيم أو النظام السياسي، أي زاوية الغايات. ونستطيع، بفضل الاستقراء، أن نقول كلما اقترب النظام السياسي في تحمله مسؤولياته السلطوية، من إحلال العقل محل العنف في معالجة المشاكل أو العلاقات الإنسانية، كان هذا النظام أقرب إلى الحقيقة الإنسانية. وكلما كانت السياسة المنبثقة من النظام، عامة، تلتزم الخير العام للجماعة ككل، تكون هي، كذلك، أقرب إلى الحقيقة الإنسانية وإلى حقيقة ما ينشده الإنسان من السياسة.
ولدينا أمثلة من الأمم التي إستطاعت في العصر الحديث كأمم شمالي أوروبا مثلاً، وسويسرا، التي أصبح العقل والإقناع فيها، لا العنف ولا الحرب، قاعدة حية للعلاقات السياسية بين المواطنين. وأصبح التناوب السلمي للسلطة فيها تقليداً من تقاليد حياتها السياسية التطبيقية. فهذه الأمثلة تعطي الدليل على أن الإنسان قابل في أحوال معينة للتغلب على العنف أو العنفية السياسية. وإذا ظهرت هذه القابلية حتى الآن لدى أقلية إنسانية صغيرة، فان التحدي الأكبر لنا هو أن يعم هذا المثل الإنسانية كلها في علاقتها الداخلية والخارجية معاً، وأن يصبح ما يبدو الآن إستثناء قاعدة عامة للسلوك الإنساني. وهذه غاية حرية بأن نستهدفها ونعمل لها، مهما ظهرت بعيدة التحقيق بالنسبة الينا اليوم. فالإنسان لا يخطط لتغييراته السلوكية الأساسية، ليوم أو جيل أو قرن، بل لعشرات القرون. ومن هنا نعتقد أنه جدير بعلم السياسة وبالفلسفة السياسية، بل أن من واجبهما أن يكونا في خدمة هذه الغاية الإنسانية، أي أن يساعدا الإنسان على تحقيق إنسانيته.
أما الثورة فهي في نظر الباحث السياسي، ظاهرة تاريخية كان لها دورها الأكيد في تحقيق التغييرات الإنسانية الأساسية سواء كانت هذه التغييرات دينية أو سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو قومية. وحق الإنسان في الثورة على الظلم والإستغلال، حتى يعترف به الفكر السياسي المعاصر، منذ أيام جون لوك، أب الليبرالية الحديثة، حتى يومنا هذا. ولكن الظاهرة الثورية لم تدرس دراسة علمية كافية حتى الآن.
وقد ظهرت محاولات للدراسة المقارنة للثورات غايتها تفهم حقيقة الثورة ومعناها وغايتها تفهماً علمياً موضوعياً. وقد أشرنا إلى هذه الدراسات المقارنة في فصل من فصول كتابنا “علم السياسة”. وإذا تجاوزنا هذه الوجه العلمي الصرف من الموضوع، وحاولنا أن نعلن موقفاً ذاتياً منه، فإننا نعتقد بحق الإنسان بل بواجب الإنسان في أن يثور على الظلم، وأن يثور في سبيل تحقيق ذاتيته الإنسانية، على كل من يعترض سبيل هذا التحقيق.
ولكننا نميز بين متبلورين للثورة : المتبلور العنفي والمتبلور التنظيمي. فنحن. بقدر المستطاع وبقدر الطاقة الإنسانية، ضد المتبلور العنفي للثورة. لأننا نخشى من جموحاته أن تفقد الحقيقة الإنسانية والذاتية الإنسانية والكرامة الإنسانية أكثر مما تكسبها. ويكفي أن نستعرض مآسي الثورات الكبرى في التاريخ لندرك ما نعنيه. ثم أن للعنف الثوري اليوم سياقاً تاريخياً جديداً هو السياق الذري الذي قد يعني أن العنف ربما أدى إلى فناء الثائر أو المثور عليه، أي إلى فناء الجنس البشري كله. ولذلك. بقدر ما نعتبر كل إنسان مسؤولاً عن مصير الجنس البشري، فإننا نتوقع منه أن يظل واعياً لجميع مضاعفات العنف والعنفية في العصر الذري.
أما المتبلور التنظيمي السلمي للثورية، فإنه طريقنا المفضل لتغيير الأوضاع الإنسانية الجائرة. ونعني بذلك أن يبادر المؤمنون بضرورة التغير إلى تنظيم أنفسهم تنظيماً حركياً، يمكنهم من أن يتحملوا مسؤوليات تحقيق التغيير المنشود، سواء أكان ذلك عن طريق تسلم الحكم، أو عن طريق حمل الحكام على تبني التغيير الذي يتطلعون إليه. ونعتقد أن الثورة التنظيمية الحضارية الحديثة تضع اليوم تحت تصرف الإنسان من وسائل التنظيم الاقناعي، كالتربية والاعلام وغير ذلك من الوسائل ما يغني عن الوسائل العنفية ويكون لها في الأمد الطويل فعل في النفوس أعمق وأكثر دواماً من فعل العنف.
ولئن بدت لنا نظرة كارل ماركس للإنسان تبسيطية بعض الشيء، فإننا لا نستطيع أن نتجاهلها، أو أن ننكر أثرها في دفع البحث عن الأحوال التي يسود فيها السلم علاقات البشر. فلا ريب، عندنا، أن تحسين أحوال الإنسان الإجتماعية والإقتصادية وتحريره من جميع أشكال الإستغلال والفاقة والمهانة مستلزم من مستلزمات التحرر من العنف، ولكن هذا التحسين لا يكفي وحده، إن لم يقترن بوعي إنساني ذاتي جديد.
وهنا يظهر الإنبعاث الروحي كمنطلق وكغاية للإنبعاث الإقتصادي والإجتماعي، على أنه لا بد منه لكي يؤدي التغير الاقتصادي والاجتماعي إلى شعور كل إنسان بأخوته الحقيقية للإنسان الآخر، وأن يرفض، كنتيجة لهذا الشعور، العنف سبيلاً للتعامل معه، فهذا الوعي الكامل للأخوة الإنسانية الشاملة، داخل كل وطن، وبين جميع الأوطان، هو الغاية المنشودة من التقدم الإجتماعي والإقتصادي. انها الغاية التي يبتعد الإنسان عن العنف والعنفية بقدر ما يقترب منها.
والسياسة كما تصورها اليونان مأخوذة من كلمة “بوليس”، أي المدينة، تتناول جميع شؤون المدينة. ومن هنا إنعدام التمييز لدى اليونان بين الدولة والمدينة. ومن هنا أيضاً أن الدستور اليوناني كان دستوراً شاملاً يتناول تنظيم جميع شؤون المدينة. وهكذا اعتبرت أثينا أن من حقها أن تعدم سقراط بحجة أنه مس الالهة، والحقيقة هي أن الحكام، كانوا متبرمين بانتقاده للنظام السياسي والأفكار السياسية السائدة. ومأساة سقراط هذه، رمز فاجع لمأساة الحد بين ما هو من حق الدولة وما هو من حق الفرد وقد أعطيت المعضلة بعد ذلك أسماء ومفاهيم جديدة، فجرى الاختلاف في ظل المسيحية حول ما هو لله وما هو لقيصر، أو ما هو للكنيسة وما هو للدولة. وجرى الاختلاف في الإسلام حول حقوق الله وحقوق الإنسان، ويستمر الإختلاف اليوم حول ما هو حق للجماعة وما هو حق للفرد.
لعل هذ الاختلافات متبلورة اليوم في الصراع الايديولوجي بين الشرق والغرب، الذي عبّر عنه كستلر بالصراع بين الصفر واللانهاية. فهل الفرد صفر في الجماعة تستطيع الدولة وتستطيع السياسة أن تفرض عليه باسم الجماعة كل ما تريد ؟ أو أن للفرد شخصية ذاتية لها حقوقها وعليها واجباتها، وعلى الدولة أن تحترم الحقوق بقدر ما يسوغ لها أن تطالب بالواجبات ؟
إن جوابنا هو الجواب الأخير. ولذلك نعتقد أن للفرد شخصية ذاتية يتوجب على الدولة أن تحترمها حرمة قدسية، بل أننا نعتبر أن من غايات الدولة، تمكين كل فرد من تحقيق شخصيته الذاتية تحقيقاً كاملاً. والمجتمع الأفضل في نظرنا هو، في الأمد الطويل، المجتمع الذي يؤدي فيه تفتح الشخصية الفردية تفتحاً إيثارياً خيراً إلى إمكان الإستغناء عن الدولة، أي عن السياسة استغناء تاماً.
وينظر الباحث السياسي بحكم موضوعه إلى المغامرة الإنسانية من خلال ظاهرة القدرة، أما من خلال قابلية الإنسان لأن يقهر إنساناً آخر على طاعته. وذلك لأن هذه الظاهرة هي منشأ السياسة أي منشأ الحكم، ومنشأ الدولة، فحيث لا تكون هنالك قدرة على القهر، كما يقول إبن خلدون، لا تكون دولة، ولا تكون سلطة مشروعة أو غير مشروعة. وبما أن علم السياسة هو علم القدرة، فإن أسباب القدرة وقوانينها ومتطلباتها ونتائجها هي أهم ما يشغل الباحث السياسي.
ولكن الباحث السياسي لا يستطيع أن يدرس ظاهرة القدرة دراسة صحيحة إلا في السياق الشامل للتاريخ الإنساني، أي للمغامرة الإنسانية. وهنا يستوقفه قول نيتشه إن إرادة القدرة هي المحرك الأعمق للمغامرة الإنسانية عبر التاريخ. ويستوقفه قول براتراند رسل إن شأن القدرة في الحيز الإجتماعي هو كشأن الطاقة في الحيز الطبيعي. فلا يسعه، وهو يدرس قوانين القدرة السياسية. إلا أن يتساءل : القدرة على ماذا ؟ والقدرة لتحقيق ماذا ؟ وهنا تبدو لنا القدرة على حقيقتها، أي كوسيلة لا كغاية في ذاتها، – كوسيلة لتحقيق غايات إنسانية تتجاوز القدرة إلى ما هو أبعد منها، بل تتجاوز في نظر الدين. الإنسان نفسه إلى ما قبل الإنسان وما بعده، فتبدو بذلك القدرة كوسيلة من وسائل المغامرة الإنسانية الكبرى، ويتجاوز الموضوع حينئذ. بشموله. الباحث أو المفكر السياسي إلى الفيلسوف أو الأديب أو الفنان أو القديس أو الولي – الذين وضعوا لنا الغايات الخلقية أو الجمالية أو الفنية أو الروحية للمغامرة الإنسانية. والباحث السياسي أقرب نسباً إلى الفيلسوف منه إلى أي من هؤلاء. وأقرب الفلاسفة إليه أفلاطون الذي أعتبر علم السياسة علم العلوم، والذي رأى أن غاية ما يمكن أن ترمي إليه السياسة هي إحلال النظام محل الفوضى في الكون كله، أي إحلال الخير محل الشر، والجمال محل القبح، أي إحلال العقل والإقناع محل العنف والإكراه.
هذه الغاية التي يمكن أن توصف بأنها الغاية الافلاطونية للمغامرة الإنسانية، تبدو منسوخة بعض الشيء في العصر الحديث، بالغايات الجديدة التي اعتبرت غايات المغامرة الإنسانية كالحرية أو العدالة أو المساواة أو البحبوحة. ولكننا لا نستطيع أن نأخذ بأية غاية من هذه الغايات إلا إذا تصورنا الكون كله خيراً بالقوة، وهو صائر، آجلاً أو عاجلاً، خيراً بالفعل وإذا تصورنا الإنسان خيراً بالقوة وهو صائر، آجلاً أو عاجلاً، خيراً بالفعل. ويبدو حينئذ دور القدرة السياسية والتنظيم السياسي والقيادة السياسية – يبدو دورها الأساسي في المغامرة الإنسانية، في المساعدة على أن يصير ما هو خير بالقوة خيراً بالفعل.
‐—-‐—————–‐———————-
• د. حسن صعب، “تحديث العقل العربي” – “دراسات حول الثورة الثقافية اللازمة للتقدم العربي
في العصر الحديث”. (بيروت، 6 كانون الأول، 1969)

  • المصدر : مؤسسة حسن صعب للدراسات والابحاث

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

المجموعات الاغترابية: ضرورة تطبيق قرار الحكومة وتكثيف التحرّك الدبلوماسي لحماية لبنان

بيان صادر عن مجموعات الاغتراب اللبناني في 7/3/2026 المجموعات الاغترابية: ضرورة تطبيق قرار الحكومة وتكثيف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.