واشنطن وطهران بين سعاة البريد والشريك المفاوض للخروج من الحرب

*كتب عبد الهادي محفوظ
بين إعادة إيران إلى العصر الحجري حسب ما يردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبين رد عسكري إيراني “مهين للأعداء” على ما يصرّح به قائد عسكري إيراني كبير يبقى التصعيد العسكري سيد الموقف إلى حين.
إنما المبالغة الأميركية في سياسات التصعيد العسكري من الرئيس دونالد ترامب إلى وزيري الحرب والخارجية لا تلقى استحسانا في الداخل الأميركي مع تنامي معارضة الحرب والدعوة إلى الخروج المبكر منها قبل أن تتحوّل إلى حرب طويلة أي إلى “حرب أعصاب” وحرب عصابات متعددة الجبهات والنوافذ العسكرية والنفطية والاقتصادية وبوابات البحار وإلى تعميم ظاهرة الاغتيالات واستهداف “الأهداف البعيدة”.
ولعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرك بأن ما كان يعتقده من تغيير جوهري في النظام الإيراني بعد اغتياله للإمام علي خامنئي وما يسميه المستوى الأول والثاني من القيادة الإيرانية. لعله أصبح مدركا بأن “شيئا من هذا التغيير لم يتحول إلى متغير” بل إلى مزيد من استفزاز الإيرانيين ودفعهم إلى تحمل آلام الحرب على ما يستنتجه حتى سيد البيت الأبيض. وبهذا المعنى فإن التصعيد الأميركي العسكري وقصف الجسور والتلويح بالذهاب بعيدا في جحيم الحرب قد يكون رسالة لروسيا والصين وبريطانيا للتوسّط في ضبطها ووقف توسعها واستدراجها إلى حرب عالمية متعددة الأطراف. فالوسطاء الحاليون للحرب وإن كانوا يبحثون عن قواسم مشتركة بين المطالب الأميركية لا يملكون “أوراق ضمانات” لا لطهران ولا لواشنطن في آن معا. ووحده “الوسيط البريطاني” يتحرى في الوقت الضائع لمعرفة الضمانات الممكنة. وهو إلى الآن إضافة إلى باكستان والمحور الإسلامي يكتفي بدور ساعي البريد أي ناقل الرسائل فيما المطلوب وجود “المفاوض الشريك”. ومثل هذه الصفة لا تتوفّر عمليا إلا في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تربطه علاقات شخصية وثيقة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب وبمراكز القرار في إيران. وبالطبع فإن فلاديمير بوتين يلقى الدعم والمساندة من الصين وكوريا الشمالية وتفهما من دول المحور الإسلامي إضافة إلى الدول الخليجية التي تحتاج بدورها إلى “ضمانات روسية” وإلى ترتيب علاقاتها المتوترة المستقبلية مع إيران وفق قواعد جديدة.
والمعادلة الحالية تصعيد عسكري وتصعيد ديبلوماسي ووفرة وكثرة في الوسطاء. ومع ذلك فإن سياسة التدمير لا تنتج انتصارا ولا هزيمة وإنما خسارة للطرفين الأميركي والإيراني معا في السياسة لواشنطن وفي البنى التحتية لإيران وفي الاقتصاد والنفط لغالبية دول العالم بما فيها أوروبا الغربية تحديدا بحكم الحرب على مضيق هرمز وجزره وباب المندب مستقبلا. وواقع الأمر أن كل من واشنطن وطهران ترغبان في نهاية هذه الحرب انطلاقا من كون واشنطن تجد نفسها في مأزق حرب طويلة كان الرئيس دونالد ترامب ينتقد غيره من الرؤساء الأميركيين على توريطهم للولايات المتحدة الأميركية بها بحكم كونه “رجل السلام” على حد توصيفه نفسه. كما أن القيادة الإيرانية تخشى من تكرار الحرب عليها كونها لا تملك ثقة بواشنطن في ضوء تجربتها بالمفاوضات السابقة. هذا يعني أن الطرفين الأميركي والإيراني يحتاجان إلى “الشريك المفاوض”. وقد يدفع بهذا الاتجاه مستشار الرئيس ستيف ويتكوف الذي التقى أكثر من مرة بالمسؤولين الروس. كما أن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تحديدا يغلّب الخيار الديبلوماسي. فهو يحرص على أن يكون رئيسا في البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية الأميركية قبل أن تكبر موجة الاعتراضات الأميركية على الحرب وتجرفه معها. فهو صاحب مصلحة عندما يكون رئيسا أن لا يرث حربا طويلة مع إيران.
بالطبع الرئيس فلاديمير بوتين مستعد لدور “الشريك المفاوض” وقد يكون هو الرابح الوحيد في هذه الحرب المعقدة والذي يستطيع توفير ضمانات الخروج الصعب منها للأطراف المتحاربة ولغيرها.
*رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

فانس “الرئيس” والحرس “القوة الإقليمية” ونتنياهو “المحرج”

*كتب عبد الهادي محفوظخلافا للمفاوضات السابقة في مسقط وفيينا بين واشنطن وطهران يأتي وفد أميركي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.