عبرة سيرة الرسول محمد(ص) للظرف الحاضر

عبرة سيرة الرسول محمد للظرف الحاضر
بقلم الدكتور حسن صعب

احتفالنا بمولد الرسول محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) هو ابتهاج بولادة يتيم اختاره الله لوحيه ورسالته، فبدل يتمه عبقرية وهاجة اشرقت على الدنيا، فحولت ليلها فجراً تاريخياً جديداً للتوحيد والحقيقة، وقلبت ضلالها ملحمة انسانية جديدة للهدى والحق، ونسخت غيها بسنّة جديدة للمحبة والحرية والعدل. فاحتفالنا كل عام بمولده (صلى الله عليه وسلم) ان هو الا احتفال بمولد جديد للنور العبقري، احتفال بمولد جديد للتوحيد والحقيقة، احتفال بمولد جديد للهدى والحق، واحتفال بمولد جديد للمحبة والحرية والعدل.
ولا يكون احتفالنا بالمولد صادقاً، ولا يكون ابتهاجنا به فعلياً، اذا جعلناه مهرجاناً في جوامعنا، وفرقعات في منازلنا، وطلقات رصاص في ساحاتنا، بل اذا جعلناه ولادة جديدة للرسالة الالهية في نفوسنا، وولادة جديدة للسنة الرسولية في حياتنا، فيأتي الاحتفال خلقاً جديداً لذواتنا، وانطلاقاً جديداً لسلوكنا بنور الحقيقة والحق والخير والمحبة والحرية والعدل.
ونحن اليوم احوج لهذه الولادة الجديدة منا في اي وقت آخر. اننا في هذا الظرف العصيب الذي نجتازه الآن، والذي نتراوح فيه بين البقاء والزوال، وبين الحرية والعبودية، وبين الكرامة والمهانة، وبين النصر والذل، وبين ان نكون او ان لانكون، احوج ما نكون ونحن نحتفل بمولد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ان نستوحي من رسالته وان نستخلص من سنته اسباب البقاء والحرية والكرامة والنصر، لنتحرر بها من علل الزوال والعبودية والمهانة والذل.
ان الاحتفال الحقيقي بمولد الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو احتفال التذكر والاعتبار والاقتداء لا احتفال الترنم والتخدر والاستخذاء. ان رسولنا (صلى الله عليه وسلم) هو الرسول الاسوة، وهو الانسان الاسوة، واحتفالنا بمولده هو وعي لهذه الاسوة والتزام بتحقيقها تحقيقاً فردياً وجماعياً. واروع ما يحسن بنا ان نتذكره من هذه الاسوة في الظرف العصيب الراهن، ظرف النكسة القاسية، بل ظرف المحنة الصارمة، هو ان الاسرة بسنة رسولنا (صلى الله عليه وسلم) هي اسوة بسنة انتصارية لا بسنة انهزامية، واسوة بسنة نضالية لا بسنة استسلامية، واسوة بسنة نظامية لا اسوة بسنة فوضوية، واسوة بسنة عقلية لا بسنة اهوائية، واسوة بسنة اخلاقية لا بسنة انحلالية. انها اسوة بسنة عبقرية خلاقة تكون الانسان تكويناً جديداً، وتصنع الانسان صناعة جديدة، لا بسنة بلهائية تصدىء حركة التاريخ وتميت الانسان حياً بدل ان تحييه ميتاً.
ان سنة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هي سنة انتصارية لا سنة انهزامية. وان اسوتها هي اسوة الرسول البطل لا الرسول الشهيد، وهي اسوة الرسالة المظفّرة لا الرسالة الضحية، وهي اسوة الدعوة الغالبة لا اسوة الدعوة المغلوبة. انها اسوة سياسة الحق تزكيها القوة وسياسة القوة يحكمها الحق.
ان رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هو رسول بطولة الحق المنتصرة بالقوة الحق، إنه الرسول الذي استطاع ان يبلغ رسالته لامته، وان يحققها في حياته فيحلق بها امته بل يحلق بها العالم خلقاً جديداً في اقل من ربع قرن. بمثل هذه الحقبة القصيرة من الزمن، التي تكاد تكون في عرف التاريخ كلمح البصر، وحد الرسول (صلى الله عليه وسلم) الجزيرة العربية، واعدها اعداداً روحياً وخلقياً وفكرياً وتنظيمياً جديداً لتوحد العالم، ولتملأ الارض توحيداً ورحمة وعدلاً بعد ان ملئت شركاً وبغضاً وظلماً.
إن هذه المعجزة التاريخية الانتصارية التي حققها محمد (صلى الله عليه وسلم) في القرن السابع الميلادي هي اسوتنا السرمدية. وانها تتحدانا بأن نعيد تأهيل أنفسنا بذكراها واعجازها تأهيلا جديداً يتيح لنا ان نحقق معجزتنا الانتصارية الجديدة.
ان رسولنا البطل لم ينتصر بالبكاء على اطلال التاريخ بل بتحدي التاريخ واعطائه حياة جديدة ووجهة جديدة. ونحن اليوم مدعوون لا للبكاء والعويل والتفجع على الضحايا، بل لتحدي التاريخ من جديد بولادة الانسان البطل في نفس كل منا كما ولد في نفس كل صاحب من صحابة الرسول وكل تابع من تابعيه وكل مريد من مريديه، الانسان البطل بفعله وصناعة الاشياء لا بقوله وصناعة الكلمات، الانسان البطل بروحه وفكره وخلقه قبل ان يكون بطلاً بجسده، الانسان البطل بايثاره الخير العام على الخير الخاص، الانسان البطل في تفانيه في سبيل حقه وحق امته في الوجود، الانسان البطل في الدفاع عن كل جزء من اجزاء وطنه في وجه العدوان، الانسان البطل في الانتظام صفاً واحداً مع جميع المواطنين لردع العدو، الانسان البطل المنفتح على كل ما في الدنيا من اسباب العلم والتقدم والقوة للتفوق على العدو ولا شعار العالم كله بان الاسلام هو دائماً وابداً تفوق بالحق والقوة، وان لبنان هو دائماً وابداً تفوق بالحرية والتقدم والقوة، وان العروبة هي تفوق بالعلم والاخوة والقوة، الانسان البطل الذي وسعت بطولته كل انسان، وكل شيء، وسعت الانسان المحب العادل والمنصف والسوي بالرحمة والمودة، والانسان المعتدي والظالم والغادر والفاجر بالقدرة المعاقبة والقوة الرادعة.
اخواني المسلمين، اخواني الشباب،ان هذا الانسان البطل الكامن في نفس كل منكم، الذي ولد بمولد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، هو الذي يتحرك في نفوسكم وانتم تحتفلون بمولد الرسول البطل. فاجعلوا من هذا الاحتفال ولادة جديدة له، واجعلوا من اسوتكم بسيد الكون (صلى الله عليه وسلم) بطولة كلية جديدة تضعكم من جديد على صراط السنة الرسولية، لتقبلوا النكسة ملحمة، والمهانة كرامة، والعبودية حرية، والضعف قوة، والصغار شمماً والاستخذاء صموداً، والغياب حضوراً وردعاً، ولتملأوا الدنيا امناً وعدلاً بعد ان ملئت جوراً وظلماً. هذه هي عبرة السنة الرسولية اليكم في الظرف العصيب الحاضر، عبرة انبعاث البطولة في مواجهة التحدى. ومن اولى منكم بمثل هذا الاعتبار ؟

كلمة ألقاها د. حسن صعب في الاحتفال بمولد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، في جامع الزيدانية 13 ربيع الأول 1393 الموافق 16 نيسان 1973.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

صدور الطبعة الورقية الأولى من كتاب «قيامة من تحت الركام: ما لم تروه في زلزالي جنوب تركيا» للكاتبة رشا الحلبي

أعلنت الكاتبة رشا الحلبي عن صدور الطبعة الورقية الأولى من كتابها «قيامة من تحت الركام: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.