فوضى السلاح أخطر ما يتعرض له الطفل الفلسطيني داخل مخيمات اللاجئين في لبنان

بيروت في 3 ديسمبر/قنا/ميساء عبد الخالق
أطفال المخيمات الفلسطينية في لبنان قصة مؤلمة وجزء لا يتجزأ من معاناة الشعب الفلسطيني الذي يعيش بالداخل أيام رعب، تحت نيران طائرات العدو الإسرائيلي ومدافع لا تفرق بين مدني ومسلح أو يعيش متشرداً في بلدان الشتات يبحث عن هويته ويحن إلى أرضه ويعاني أوضاعاً صعبة فرضتها عليه ظروف الغربة القسرية عن وطنه الأم .
وقد نزح اللاجئون الفلسطينيون إلى لبنان بعد نكبتهم عام 1948 وتوزعوا داخل مخيمات عملت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين /الأونروا/ على تقديم الخدمات والمساعدات الإغاثية والطبية والاجتماعية لهم .
مراسلة وكالة الأنباء القطرية في بيروت جالت في بعض مخيمات اللجوء الفلسطيني الواقعة في مدينة صيدا جنوبي لبنان والعاصمة بيروت ، في “زواريب ضيقة” وما يشبه بـ “أحزمة البؤس” كانت تلك الجولة فيها الكثير من مشاهد الألم حيث تتكدس المنازل إلى جانب بعضها وتتسرب بينها المياه الآسنة ، وما يلفت النظر مشهد الأطفال الذين يلعبون في أزقة تتداخل فيها مساكن متلاصقة مبنية عشوائيا يظهر على بعضها آثار الرصاص وتتشابك فيها أشرطة الكهرباء وسط روائح كريهة ولعل هؤلاء الأطفال يلجؤون إلى تلك ” الأزقة الضيقة” هرباً من منازل لا يدخلها أحيانا نور الشمس وفقاً لما ذكرته لنا عدداً من الأمهات الفلسطينيات القابعات في المخيمات.
أطفالاً هنا وهناك يركضون ويلعبون في ألعاب تقليدية، كركض بعضهم للإمساك ببعضهم الآخر (اللقيطة) أو اختباء أحدهم ليجده الرفاق (الغميضة) أو رسم مربعات صغيرة على الأرض بالطبشور والقفز فوقها على قدم واحدة أو لعب الصبية بالكرة و “لعبة الحرب” بأسلحة بلاستيكية والبنات ” لعبة البيت بيوت”.
وفي جولة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ داخل مخيم /المية ومية/ الواقع في مدينة صيدا جنوبي لبنان ، حيث آثار القصف والاشتباكات وطلقات الرصاص مازالت على جدران المنازل والمدارس بعد أن شهد المخيم الشهر الماضي اشتباكات عنيفة بين الفصائل، التقت مراسلة /قنا/ عددا من الأطفال والأمهات في المخيم.
وقد أكد (أحمد) وهو طفل لم يتجاوز 13 عاما أن الاشتباكات الأخيرة في المخيم أثارت الرعب في نفوس الأطفال ، “كنا خائفين ، كانت لحظات مرعبة ، شعرنا أن الموت يجتاحنا وأصوات القذائف والرصاص تطغى على كل شيء ، كنت أصرخ وأتمنى من الله وقفا فوريا لإطلاق النار بين الجماعات المسلحة” .
فيما يقول الطفل (فادي) ، “شعرت بالخوف والرعب خلال الاشتباكات الأخيرة تنقلنا بين زوايا منزلنا حتى نحمي أنفسنا من الرصاص والقذائف ، حملتنا أمي وتنقلت بنا لتحمينا ، كنا نبكي ونصرخ ونطلب من الله أن يحمينا” .. وتابع “أصيب منزلنا بقذيفة ، شعرت باهتزاز البيت كأننا في زلزال ، أنا أكره الحرب وأكره الرصاص ” .
بينما الحاجة (أم طارق) وهي لاجئة فلسطينية أم لثلاثة أطفال ، تقول والحسرة تسيطر عليها ، “أنا لا أخاف على نفسي ، أخاف على أطفالي الذين يعيشون الرعب والخوف والهلع ، بسبب إطلاق النار والاشتباكات العشوائية التي تشهدها المخيمات الفلسطينية في لبنان ، وناشدت المسؤولين الفلسطينيين بالعمل بشكل جاد وفاعل لوضع حد للاشتباكات وإخراج تجار المخدرات وعدم السماح لوجود مسلحين بين الأحياء السكنية” .
وأضافت الحاجة (أم طارق) ، يصاب الأطفال داخل المخيمات بأمراض نفسية وأحيانا جسدية نتيجة إصابتهم برصاص الاشتباكات.
ولا يختلف حال الأطفال الصعب في مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان ، فهو مشهد موحد عنوانه ” طفولة معذبة” و”قلق قابع في النفوس”، وفي جولتنا كان طفل فلسطيني يبلغ من العمر حوالي عشر سنوات يقف عند مدخل منزله في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة صيدا اللبنانية ، تسيطر عليه ملامح البؤس ، والخوف والحرمان وقد رفض الكلام معنا ولعل ذلك شاهد على ما يتعرض له الطفل من أزمات نفسية وجسدية كادت أن تدمر بنيته كطفل لم يستقبل سنوات عمره كباقي أطفال العالم .
هذا الطفل البائس يلخص حياة الأطفال الفلسطينيين داخل مخيماتهم ، إلى جانب أنهم لاجئين ، فهم أطفال يتأثرون بمحيطهم وبما يجري حولهم وبما يتعرضون له من مأساة .
ويبلغ عدد المخيمات الفلسطينية الرسمية في لبنان حالياً 12 مخيما تتوزع على مختلف المناطق اللبنانية ، إلا أن طبيعة الحياة البائسة التي يعيشها اللاجئون جعلت من المخيمات بؤرا للتوترات الأمنية والآفات الاجتماعية .
وذكرت وكالة /الأونروا/ أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في كشوفاتها بلغ حوالي 449,957 لاجئ ، أما لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني الرسمية فقد حددت عدد اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين على الأراضي اللبناني بحوالي 174 ألف لاجئ ، لا يتمتعون بحقوق مدنية أو اجتماعية أو حتى الحق في العمل.
وينتشر سلاح الفصائل الفلسطينية والمجموعات المسلحة بشكل عبثي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ، وتتوزع مكاتب الفصائل وقواعدها العسكرية بين الأحياء السكنية لتحولها إلى ثكنات عسكرية .ويؤكد الأخصائيون والمراقبون أن أكثر ما يتعرض له الأطفال الفلسطينيون داخل مخيماتهم في لبنان، هو فوضى السلاح وعمليات إطلاق النار العبثي والاشتباكات التي تندلع بين لحظة وأخرى بين المجموعات المسلحة التي تنتشر بين الأزقة ومساكن المدنيين .
وتوضح رولا شحادة الباحثة الاجتماعية الفلسطينية من مخيم /عين الحلوة/ الواقع في مدينة صيدا جنوبي لبنان لـ/قنا/ أن إطلاق النار لا يتوقف داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، وكان آخرها في مخيم /المية ومية/ الواقع في صيدا، التي سقط ضحيتها أكثر من 5 أطفال.. مشيرة إلى أن أسباب الاشتباكات يعود الى وقوع اشتباكات بين الفصائل والتيارات السياسية الى جانب اشتباكات على خلفية عائلية وعشائرية، والأسوأ كما قالت وقوع اشتباكات تندلع بين تجار المخدرات أنفسهم أو بين تجار المخدرات والفصائل الفلسطينية.
من جانبها أشارت الدكتورة عائدة الخطيب الفلسطينية المتخصصة في علم النفس الى أن عمليات إطلاق النار العشوائي واحدة من أخطر ما يتعرض له الطفل الفلسطيني التي تؤثر سلباً على نفسيته.. وقالت الدكتورة الخطيب المقيمة في مخيم /الرشيدية/ قرب مدينة صور جنوبي لبنان، خلال عمليات استطلاع ومقابلات مع الأطفال الفلسطينيين داخل المخيمات “وجدنا عدداً كبيرا منهم يتردد عند الكلام و”يتلعثم” ويبدو عليه حالة الخوف والإرباك” . وهذا ما لمسناه واضحا على أطفال مخيمات /عين الحلوة/ و/شاتيلا/ و/برج البراجنة/ و/الرشيدية/ أثناء جولتنا وحديثنا معهم في جولتنا الصحفية .
وتؤكد أن سبب ذلك هو الخوف والقلق الليلي وعمليات إطلاق النار التي تصيب الأطفال بالهلع، ذلك لأن عمليات إطلاق النار تكون بين المنازل وداخل الأحياء والشوارع العامة .
ومن جهته، اعتبر المدير العام لبيت أطفال الصمود قاسم العينا، أن ظاهرة إطلاق النار والاشتباكات المسلحة من أخطر الظواهر التي تهدد حياة الأطفال الفلسطينيين داخل مخيماتهم.. معربا عن أسفه الشديد لأن الأطفال والفتيان الفلسطينيين في لبنان يعيشون هذه الظروف الصعبة، ويتعرضون من حين لآخر لمشاهد إطلاق نار واشتباكات ورصاص عشوائي قرب منازلهم، مما يجعلهم يعيشون حالة رعب، وهذا بدوره كما يضيف العينا، يجعل الأطفال يتأثرون نفسيا في ظل اشتباكات وعمليات عسكرية عبثية تثير عند الأطفال حالة الخوف والهلع، لذلك معظم الأطفال الفلسطينيين داخل المخيمات يعانون من اضطرابات نفسية ويصابون بالاهتزاز والإرباك والتخلف العقلي وتخلف في الدراسة والمستوى التعليمي وتراجع المستوى التربوي، وهذه نتيجة طبيعة للظروف الأمنية والفوضى المسلحة إلى جانب مأساتهم وحرمانهم ونكبتهم.
ويبلغ عدد الأطفال الفلسطينيين اللاجئين في لبنان حوالي 60 ألف طفل، بما نسبته أكثر من 30 بالمائة من عدد اللاجئين الفلسطينيين حسب إحصائيات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، إلا أن هؤلاء الأطفال لا يعيشون ظروفا حياتية عادية كباقي أطفال العالم ، فهم كثيرا ما تعرضوا للموت والقتل خلال سنوات الحرب والاجتياحات والمجازر والاشتباكات وفوضى السلاح، ويتعرضون للقهر والحرمان والفقر والخوف .
وفي هذا السياق، قال اللواء صبحي أبو عرب قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان “إن الاشتباكات المسلحة والرصاص العشوائي لها تأثير كبير على حياة الأطفال الفلسطينيين في لبنان، ويؤكد أن استمرارها لها انعكاساتها السلبية على صحة الطفل ومستوى تعليمه واستيعابه، كما أنها تؤثر على وضع الطفل النفسي ما يؤدي إلى إصابته بأمراض نفسية خطيرة، كما تضعف من درجة استيعابه وفهمه” .
ويضيف يصحو الأطفال الفلسطينيون داخل المخيمات، عند منتصف الليل على مدمن مخدرات يطلق النار في الهواء وبشكل عشوائي، مما يجعل الطفل يصحو على كابوس الخوف وتكون حالته في تلك اللحظات مقلقة، وهذا طبعا له انعكاساته على مجمل حياة الأطفال الفلسطينيين في لبنان .
وأعرب اللواء صبحي أبو عرب عن استعداد قوات الأمن الوطني وبالتنسيق مع الدولة اللبنانية لوضع حد للسلاح العبثي وفوضى السلاح وعمليات إطلاق النار العشوائي داخل المخيمات، كما اكد أنه سيعمل مع السلطات اللبنانية المعنية لمطاردة مروجي المخدرات ومنعهم من حمل السلاح .
ويبقى السؤال هل تستطيع المرجعيات الفلسطينية بالتعاون مع السلطات اللبنانية العمل من أجل تحسين ظروف اللاجئين وتكثيف الجهود حفاظا على أمن المخيمات وسكانها وخاصة الأطفال الذين يعيشون حياة أقل ما يمكن وصفها بأنها مأساوية؟ .في
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package