أخبار عاجلة

إزاحة نتنياهو هي الحل

كتب د. حسن محمود قبيسي*
غالباً ما يقترن الغباء بالقوة فتكون غاشمة، تضرب عشوائياً وتحسب أنه يهلك العدو، وغالباً ما قد يكون ضربها انتحاراً.
أنا لا أكتب هنا عن حكّام الكيان الصهيوني وحدهم. ما يزيد من تورّطهم إلى حد التدهور انجراف حلفائهم الغربيين معهم ؛ فيحاولون إخضاع شعوب قاتلت مئات السنين مزمجرة : «هيهات منا الذلّة» مناضلة مجاهدة وفق قناعة أن «لا مجال للخُروج مما نحن فيه سوى أن نشقّ طريقنا عنوة، وبالقوة، فوق بحر من الدم، وتحت أفق مشتعل بالنار» لن أعود – مفصّلاً – إلى القرون الأولى يوم أَلَّفَ الله بَيْنَ قلوب قبائل الكرّ و الفرّ وعشائر السلب و السبي، فائتلفَت مجاهدة فاتحة هادية تدعو إلى الإيمان بفكر التوحيد وشعائر العبادة، وسمو الأخلاق ونصرة المظلوم. انتصرت في معارك وهُزمت في أخرى، فثارت وما يأست. طردت كل الغزاة وبقيت راسخة في بلادها يتوارثها الأبناء و الأحفاد، وما كانت الهزيمة إلّا حافزاً للجهاد.

أعود خطوة سريعة ومعاصرة إلى الوراء، إلى سنة 1982وبعض تداعياته. فبعد الغزو الصهيوني للبنان في صيف تلك السنة وما نجم عنه رغم الصمود والتصدي، وانسحاب مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، رأت الإدارة الأميركية أن لبنان والمنطقة يدخلان مرحلة جديدة بمعطيات جديدة ولا بد من مواكبتها، فكانت عملية تدخّل بقوات متعددة الجنسيات تخمد الحركة الشعبية وتريح «إسرائيل»، وقد تنسحب بعدها؛ فتهدأ الأمور.
تم نشر القوة متعددة الجنسيات في 25/8/1982 وقوامها حوالي 400 فرنسي و800 جندي إيطالي و800 من مشاة البحرية الأميركية كجزء من قوة حفظ السلام للإشراف على إخلاء مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، على أن تنسحب في أيلول 1982. لكن الإدارة الأميركية قررت وانسحبت، ثم تبعتها إيطاليا ثم فرنسا بعد تردد. واكتمل الانسحاب قبل 14 أيلول/سبتمبر 1982، تاريخ اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل. وما حصل بعد ذلك، أظهر أن التحفّظ الفرنسي كان مبرراً. دخل الجيش الصهيوني بيروت الغربية في 15 أيلول/سبتمبر 1982. ثم ارتكبت القوات اللبنانية وقوات العميل المتصهين سعد حداد بإشراف و تغطية ومساندة ومشاركة صهيونية (كما أثبتت تحقيقات لجنة فينوغراد الصهيونية) مجازر صبرا وشاتيلا بين 15 و18 أيلول/سبتمبر 1982. هذا التحوّل المأساوي أسّس للمرحلة الثانية من التدخّل العسكري الغربي المباشر في لبنان. وبناء على ما أُشيع أنه بطلب من الحكومة اللبنانية في 20 أيلول/سبتمبر 1982، توافقت واشنطن وباريس وروما؛ وتم إرسال قوة أطلسية من جديد، تحت اسم «قوات متعددة الجنسيات للأمن»، واعتباراً من 24 أيلول/سبتمبر 1982، بدأت تلك القوات تنتشر في غرب بيروت وعلى مداخلها. وكانت بعدها الضربة القاصمة التي نزلت بالقوتين الأميركية والفرنسية. أساطيل وبوارج وحاملات طائرات ومشاة بحرية ومشاة وبحارة وجبروت الحلف الأطلسي، كلها كانت لقمة سائغة لعمليتين استشهاديتين أرسلت مئات النعوش بأشلاء جثث لجنود زجّت بهم حكوماتهم للدفاع عن الغزو الصهيوني، ولقمع مجاهدين دفاعاً عن أرضهم.
في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1983 اقتحمت شاحنة مفخخة يقودها استشهادي الحواجز العسكرية والأمنية الأميركية عند مدخل ثكنة مشاة البحرية الأميركية في بيروت وانفجرت في باحتها فدمّرتها على من فيها، وبعدها مباشرة تم تفجير منشأة عسكرية فرنسية قريبة منها، وماثل مصيرها مصير تلك الأميركية. أسفر التفجيران عن مقتل 241 من «مشاة البحرية» وغيرهم من الضباط والجنود الأميركيين، و58 جندياً فرنسياً. وتصاعدت بعدها وتيرة العمليات الجهادية والاستشهادية حتى كان التحرير في 25 آذار/مارس 2006.
اليوم يُعيد التاريخ نفسه بمقدماته، وبانتظار تداعياته المتوقعة؛ فالعجرفة تودي بصاحبها إلى الهلاك.

المعضلة ولّادة الأزمات في منطقتنا، أن الغربي ورمزه اليوم الأميركي، أن الأخير كالغربيين الآخرين لم يفهم حتى اليوم ذهنية وعقلية وشخصية ونفسية أبناء شعبنا على تنوّعه، إلى أي طائفة أو مذهب أو أقلية انتمى.
فاللبناني العربي والكردي الكرمنجي والأرمني اللبناني، ولا أعدّد الآخرين فللكل جذوره عربية، ما استكان لغازٍ قط، بيزنطي كان أم أوروبياً أم أخشيدياً أم أيوبياً أم مملوكياً أم عثمانياً، ولا لشعوبي قط، ولا لسلطة ظلمته باسم الدين. ظلم المسيحي الحاكم المسيحي الذي يخالفه الرأي أو المعتقد، وظلم حكام مسلمون معارضين سياسيين ومذهبيين لهم من كافة الملل، وأحياناً باسم الإسلام والإسلام من الظلم براء.
واليوم يجيّش الأميركي المهزوم في كل اعتداءاته المباشرة وغير المباشرة، العسكرية منها والاستخباراتية، على الشعوب من كوريا إلى فيتنام إلى كوبا وفنزويلا وتشيلي، إلى لبنان إلى أفغانستان إلى العراق إلى اليمن… يجيّش عسكره وملحقاته من الدول السابحة في بحيرته، ويحشد أساطيله دفاعاً عن الكيان الصهيوني لمنع رد محور المقاومة على الاعتداءات الصهيونية على إيران ولبنان باغتيال إسماعيل هنية و فؤاد شكر.
رغم كل هزائمه، لم يفهم ولم يستوعب أي من الدروس، فهو لا يقرأ التاريخ ومن لا يقرأ التاريخ لا يتقن صنعه.

لن نذكره في هذه العجالة إلّا بما حلّ بقواته يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 1983، يوم لم يكن عند المجاهدين ما عندهم اليوم، ولا كانت قدراتهم كما هي عليها اليوم، علّه يراجع حساباته ولا يرمي بأبناء شعبه (وقد يكون بينهم من أصول لبنانية) في الموت الرخيص دعماً ومساندة لنتنياهو والكيان الصهيوني، وذريعة الدولة الأميركية العميقة أن تلك الأساطيل وحاملات الطائرات إنما حشدتها من أجل استقرار المنطقة، واستقرارها لا يكون لا بالتهويل ولا بالتهديد، وأظن أن تلك الإدارة خبرت شعبنا وعرفت أنه لا يرى في تلك العراضات إلّا صوراً متحركة.
استقرار المنطقة إلى المدى القصير، لا يكون إلّا بوقف العدوان الصهيوني والإبادات الجماعية وفك الحصار عن غزة وفلسطين ولبنان، واحترام المقدسات وسيادة الدول، وقيام الدولة الفلسطينية إلى حدود 1967 كخطوة أولى، ولا تتحقق تلك السلسلة من الإجراءات إلّا بإزاحة نتنياهو، مجرم حرب أناني يجرُّ العالم كل العالم، والولايات المتحدة الأميركية والحلف الأطلسي في مقدمته، إلى الهاوية.
فإلى حين تُعيد تلك الإدارة، وتُعيد قيادة الحلف الأطلسي حساباتهما، وتعيان أن الوقوف على حافة الهاوية ليس مضمون النتائج دائماً، يعيش العالم في قلق، إن لم يكن على حياة الشعوب، فعلى أمنها واستقرارها ومصا لحها.
بانتظار الصحوة الأميركية، ففيها الخلاص.

*مؤرخ وكاتب سياسي

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

البورصة والذخيرة خصمان لترامب والحرب

*كتب عبد الهادي محفوظيرتكز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريحاته عن الحرب مع إيران إلى كون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.