أخبار عاجلة

من رماة الكورنيت إلى قنّاصي السماء: ولادة الجيل الأخطر في الحروب الحديثة

بقلم الإعلامي علي أحمد مدير موقع صدى فور برس
في علم الحروب الحديثة، لم يعد التفوق العسكري يُقاس فقط بعدد الدبابات أو حجم الترسانة النارية، بل بقدرة الطرف المقاتل على تحويل المعرفة إلى قوة، والتكنولوجيا إلى عقيدة، والعقل البشري إلى منصة تفوق تتجاوز الحسابات التقليدية للقوة.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد المعركة تُحسم فقط في خطوط التماس، بل في غرف التحليل، ومختبرات الهندسة، وشاشات المراقبة، ومراكز القيادة الدقيقة. هنا تحديدًا، تظهر قيمة المقاتل الجديد، الذي لا يحمل السلاح بوصفه أداة إطلاق نار فقط، بل باعتباره امتدادًا لمنظومة فكرية متكاملة تُدير الحرب بمنطق العلم لا بمنطق الانفعال.
من هذا المنطلق، يمكن فهم التحوّل الكبير من “رماة الكورنيت” في حرب تموز 2006، إلى مشغّلي المُحلّقات الذكية وفرق الـFPV في ساحات المواجهة الحديثة. هذا ليس انتقالًا من سلاح إلى سلاح، بل انتقال من جيل عسكري إلى جيل استراتيجي جديد، يُعيد تعريف معنى الردع نفسه.
في حرب تموز، شكّل رماة الكورنيت نموذجًا استثنائيًا في الحرب غير المتكافئة. لم يكن الأمر متعلقًا فقط بصاروخ مضاد للدروع، بل بعقيدة اشتباك كاملة قائمة على الصبر، والتمويه، ودراسة حركة الهدف، واختيار لحظة الإطلاق باعتبارها قرارًا استراتيجيًا لا فعلًا تكتيكيًا عابرًا. لقد نجح هؤلاء في تحويل دبابة الميركافا، التي كانت تُقدَّم كرمز للتفوق الإسرائيلي المطلق، إلى هدف قابل للكسر والاحتراق.
ذلك الإنجاز لم يكن انتصارًا تقنيًا فقط، بل كان كسرًا نفسيًا وعقائديًا لصورة الردع. فحين تسقط هيبة الآلة، يبدأ انهيار المعادلة المعنوية التي بُنيت عليها.
اليوم، يتطور المشهد بصورة أكثر تعقيدًا. فالمُحلّقات الحديثة، وخاصة تقنيات الـFPV، لا تعمل بمنطق الاستهداف التقليدي، بل بمنطق السيطرة الشبكية على ساحة المعركة. إنها تمثل انتقالًا من “إصابة الهدف” إلى “إدارة المجال القتالي”.
المشغّل هنا ليس مجرد عنصر تقني، بل ما يُعرف عسكريًا بمشغّل الضربات الدقيقة؛ شخص يمتلك إدراكًا مكانيًا ثلاثي الأبعاد، وقدرة عالية على تحليل البيئة المحيطة، واستيعاب فوري للتضاريس، وخطوط الحركة، ومناطق الاختراق، ونقاط الضعف.
هو لا يرى مبنى فقط، بل يرى مركز قيادة محتمل. لا يرى شجرة فقط، بل زاوية إخفاء أو نقطة تمويه أو ممر مناورة. إنه يفكر بالمجال العملياتي الكامل، لا بالمشهد البصري المجرد.
هذا النوع من المقاتلين يحتاج إلى مزيج نادر من الذكاء الهندسي، والانضباط النفسي، والتآزر البصري الحركي، والقدرة على اتخاذ القرار تحت ضغط زمني بالغ الحساسية. نصف ثانية قد تعني نجاح ضربة نوعية، أو ضياع فرصة استراتيجية لا تتكرر.
من الناحية العلمية، فإن اعتماد المقاومة على هذه التكنولوجيا لا يُقرأ بوصفه ترفًا تقنيًا، بل باعتباره ضرورة بنيوية في مواجهة عدو يعتمد أصلًا على التفوق التكنولوجي. فالحرب الحديثة لا تُواجه بالشعارات، بل بالقدرة على إنتاج معادلات مضادة، تُفرغ تفوق الخصم من مضمونه.
حين تستطيع قوة مقاومة أن تستخدم أدوات ذكية منخفضة الكلفة وعالية التأثير، فإنها تُحدث انقلابًا في مفهوم الكلفة العسكرية. فبدل أن تُقاس القوة بحجم الإنفاق، تُقاس بفعالية التأثير. وهذه واحدة من أهم قواعد الحروب اللامتماثلة في القرن الحادي والعشرين.
المُحلّقة الصغيرة قد تكون أرخص من جزء بسيط من دبابة حديثة، لكنها قد تُعطّل منظومة كاملة، وتربك قرارًا ميدانيًا، وتفرض على العدو إعادة حساباته النفسية والعملياتية معًا.
الأخطر هنا ليس الانفجار ذاته، بل حالة الشك الدائمة التي تزرعها هذه التكنولوجيا. حين تتحول السماء إلى مصدر تهديد مستمر، يصبح الضغط النفسي جزءًا من المعركة، ويعيش الخصم في حالة استنزاف ذهني دائم، حتى في غياب الاشتباك المباشر.
وهنا تتجلى عبقرية المقاومة الحقيقية: أنها لا تتعامل مع التكنولوجيا كأداة مستوردة، بل كجزء من عقيدة التحرير نفسها. إنها تُخضع التقنية للهدف، لا الهدف للتقنية. وهذا فارق جوهري بين من يملك السلاح ومن يفهم فلسفة استخدامه.
المقاتل الجديد قد يكون طالب جامعة، أو مهندس إلكترونيات، أو باحثًا في البرمجيات، لكنه في لحظة المواجهة يتحول إلى عنصر ردع استراتيجي. إنه ابن المختبر كما هو ابن الجبهة، وابن العقل كما هو ابن العقيدة.
جيل 2006 أسقط هيبة المدرعات،
وجيل 2026 يعيد تعريف مفهوم السيطرة العسكرية من أساسه.

الأمس كانوا رماة الكورنيت…
واليوم هم قنّاصو السماء.
والحقيقة الأعمق أن المقاومة لا تورّث السلاح فقط، بل تورّث الوعي الذي يعرف متى يُستخدم، وكيف يُستخدم، ولماذا يجب أن يتحول العلم نفسه إلى جزء من معركة الكرامة والسيادة.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.