
بقلم: المحامي: عمر محمد زين
رحل الوزير والمحامي الزميل بهيج طبارة، ورغم أن الموت يطاول الجميع، إلا أنّ بعض الرحيل يشبه انطفاء منارةٍ كانت تُهتدى بها الطرق. فليس كل غيابٍ يُقاس بالزمان، بل هناك غيابٌ يُقاس بما يتركه في النفوس من فراغ، وفي المؤسسات من أثر، وفي الذاكرة من وجعٍ لا يهدأ.
لقد خسر لبنان قامة قانونية ووطنية استثنائية، ورجلاً من أولئك الذين لم يكونوا مجرد عابري مواقع أو أصحاب مناصب، بل كانوا فكرةً في الدولة، وصوتاً للعقل في زمن الاضطراب، وإيماناً ثابتاً بأن القانون ليس أداة حكمٍ فحسب، بل ضمانة كرامةٍ للناس وحصنٌ للعدالة. في مسيرته الطويلة، بقي الأستاذ بهيج طبارة نموذجاً لرجل الدولة الذي لا يساوم على المبدأ، ولا يبدل قناعته بتبدل الظروف، بل يزداد ثباتاً كلما اشتدت العواصف.
كان حضوره في الحياة العامة حضور من يزن كلماته بميزان الضمير قبل ميزان السياسة، ومن يختار الصمت حين يصبح الصراخ بلا معنى، ويختار الموقف حين يصبح التردد خيانة للفكرة. ولذلك لم يكن مجرد اسمٍ في سجل الدولة أو في نقابة المحامين، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في الاتزان، وفي الاستقامة الهادئة التي لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت وجودها.
ومع ذلك، فإن ما يجعل هذا الرحيل أكثر إنسانية وعمقاً، هو تلك الصفحة الخفية التي لا تُكتب كثيراً في السير الرسمية، لكنها الأصدق في حياة الإنسان: صفحة الوفاء والحب والصبر.
فحين اشتد المرض وثقل الجسد، كانت الزميلة المحامية هدى طبارة تقف في قلب تلك العاصفة بصبرٍ لا يشبه إلا الإيمان. لم تكن مجرد زوجة، بل كانت حياةً كاملة تُعاد صياغتها كل يوم من أجل أن يبقى هو متماسكاً. كانت السند حين يضعف الجسد، والطمأنينة حين يضيق الأفق، واليد التي تُمسك بالحياة حين تتراجع قوتها.
كانت تسهر حين ينام الآخرون، وتبتسم حين يشتد الألم، وتخفي تعبها كي لا يشعر هو بأن العالم من حوله ينهار. كان في صمتها كلامٌ أكثر من كل الخطب، وفي صبرها بطولة لا تحتاج إلى إعلان، وفي حبها معنى لا تدركه إلا القلوب التي عرفت معنى أن تُحب حتى الفناء.
هذا النوع من الوفاء لا يُروى كقصة، بل يُشبه صلاةً داخلية تُقال بلا صوت، ويُشبه قدراً إنسانياً نادراً لا يتكرر كثيراً في حياة البشر. لذلك، حين يُذكر بهيج طبارة، لا يمكن فصله عن هذه الرفيقة التي حملت عنه بعض وجعه كي يبقى هو واقفاً حتى آخر لحظة، وكأن الحياة كانت تتقاسم بينهما الأدوار: هو في العطاء العام، وهي في العطاء الصامت الذي لا يراه إلا الله.
وإذا كان لكل إنسانٍ أثرٌ يتركه خلفه، فإن أثر بهيج طبارة لم يكن في المناصب التي شغلها، بل في تلك البصمة الأخلاقية التي زرعها في كل من عرفه: في احترامه للناس، في هدوئه أمام العواصف، في إيمانه بأن القانون حين يفقد روحه يصبح مجرد نص، وأن الدولة حين تفقد عدالتها تصبح مجرد شكل.
لقد كان مدرسة في أن القوة الحقيقية ليست في الصخب، بل في الثبات؛ ليست في كثرة الكلام، بل في دقة الموقف؛ وليست في حضور الاسم، بل في غياب الظلم حيث يكون هو حاضراً.
وهكذا، حين يُذكر اسمه اليوم، لا يُذكر كخبر رحيل، بل كذاكرة وطنية حيّة، وكقيمة لا تُختصر، وكحكاية رجلٍ عاش كما يجب أن يُعاش: بكرامة، وهدوء، وإيمان عميق بأن الإنسان حين يكون صادقاً مع مبدئه، يصبح أكبر من حياته نفسها.
رحل الجسد، لكن بقي المعنى… وبقيت تلك السيرة التي لا تُقفلها الأبواب، ولا تُطفئها السنوات، لأن بعض الأرواح حين تغادر، تترك خلفها ضوءاً لا يُرى بالعين، لكنه يُحس في القلوب.
رحم الله الأستاذ بهيج طبارة رحمة واسعة، وألهم الزميلة هدى طبارة وأولاده ومحبيه الصبر والسلوان. فالفقد كبير، لكن بعض الرجال حين يرحلون، لا يتركون فراغاً فقط… بل يتركون معياراً يُقاس به كل حضورٍ بعدهم.
الأمين العام السابق لإتحاد المحامين العرب.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package