أخبار عاجلة

لماذا تحميل رياض سلامة المسؤولية ؟

الاستدانة مسؤولية السلطة

والعجز سببه التوظيف العشوائي والكهرباء

جوزف فرح

في الوقت الذي منح اتحاد المصارف العربية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة جائزة «محافظ العام 2019» كان وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش يحمل سلامة اجراءاته وهندساته المالية طوال ربع قرن مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع المالية في لبنان، معتبراً ان الاقتراض من الخارج لم يعد يكفي ولا الترقيع ولا التذاكي على حساب الناس والبلد.

صحيح ان بطيش اكد أننا «امام تحديات وطنية صعبة وهذه المرة لها طابع اقتصادي لكنه واثق بالقدرة على تجاوزها رغم اعترافه انه مضى شهران على تشكيل الحكومة والانجازات لغاية اليوم اقل من المطلوب والمأمول، محمّلاً المسؤولية الى تفاقم عجز الخزينة وتزايد الدين العام والتراكم السلبي في الحسابات الخارجية ومتوقفاً عند هواجس حاكم مصرف لبنان التي يتفهمها، لكنه رد على سلامة بالتأكيد ان مدفوعات الفائدة وحدها استأثرت بأكثر من ثلث الانفاق العام بين عامي 1993 و2018، وبالتالي لا بد من اجراءات سريعة لتخفيض هذه النسبة والحد من تنامي العجز والمديونية.

على أية حال، ان تقليص عجز الموازنة يكون من خلال ارتفاع النمو الاقتصادي، واذا بذلت الحكومة كل الجهد اللازم فانه يمكن المعالجة بعد ان وصل العجز في الموازنة الى 115 في المئة من حجم الاقتصاد وتأثيراته السلبية في الاستقرار المالي والنقدي واحد اسبابها الرئيسية زيادة حصة الرواتب والاجور في الموازنة من 30 الى 40 في المئة وبالتالي من المفروض اعادة هيكلة القطاع العام وترشيده وطريقة انفاقه، اما بالنسبة لخدمة الدين العام فان ارتفاعها كان طفيفاً من 29 الى 32 في المئة من الموازنة، والأسباب زيادة الدين وليس معدلات الفوائد التي كانت شبه مستقرة ما بين 2010 و2016، وقد ارتفعت مع الازمة السياسية التي تمثلت باستقالة الرئيس الحريري في تشرين الثاني من العام 2017 والازمة السياسية التي تمثلت ببقاء البلاد دون حكومة طوال ثمانية اشهر.

واذا كان حاكم مصرف لبنان يستعجل الاجراءات الاصلاحية كما الوزير بطيش، فان الاسواق المالية والمؤسسات الدولية تترقب ما ستؤول اليه الاوضاع المالية، حتى ان الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل اعتبر ان الحاكم سلامة ينطلق من وقائع ملموسة على الارض في ظل استمرار «الدلع السياسي» لتطبيق الاصلاحات وتأثير ذلك سلباً ليس في المالية العامة، بل في مجمل الاوضاع الاقتصادية، ويؤكد غبريل ان وفوداً أجنبة زارت لبنان خلال الاسابيع الثلاثة الماضية وكلها جاءت تستطلع الاوضاع في لبنان حول المباشرة بالاصلاحات في ظل المنافسة القوية من الدول المجاورة لاستقطاب رؤوس الاموال.

ويعترف غبريل ان القطاع المصرفي (اي مصرف لبنان والمصارف) تحملت مسؤولياتها طوال الـ25 سنة من اجل حماية الاستقرار النقدي والمالي والاجتماعي بالرغم من الخلل في المالية العامة والاقتصاد. وبالتالي من المفروض بالسلطة ان كانت تنفيذية او تشريعية ان تتحمل جزءا من المسؤولية التي تحملتها المصارف التجارية.

ويؤكد غبريل ان ارتفاع الفوائد يقررها السوق المالية وان ارتفاع الفوائد هي كلفة اضافية على المصارف التجارية. ويعترف غبريل ان الكلفة المرتفعة التي تشكل عوائق لاعمال مديري الشركات حسب منتدى الاقتصاد العالمي تأتي على الشكل الاتي: 1- الضبابية السياسية 2- الفساد في القطاع العام 3- ترهل البنية التحتية 4- البيروقراطية الادارية 5- عدم وضوح السياسات الاقتصادية 6- نسبة التضخم 7- الضرائب وبعدها تأتي الفوائد وهي عامل جديد.

من المفروض ان نؤكد على الظواهر الآتية :

1- تزايد حجم القطاع العام من خلال توظيف 31 الف شخص بين العام 2014 و2018 وهذا عبء تحمله الخزينة التي تعاني من تراجع حجم ايراداتها خصوصا في العام الماضي على الرغم من زيادة 27 ضريبة فيها.

2- تحويلات الكهرباء التي ارتفعت 11.5 في المئة بين 2010 و2017، وان العجز في الموازنة يعود الى عجز الكهرباء المقدر بملياري دولار سنويا.

3- ارتفاع خدمة الدين العام بنسبة 26 في المئة خلال الفترة ذاتها بسبب سوء الادارة السياسية وليس المالية.

4- ارتفاع كلفة الرواتب والاجور والمعاشات التقاعدية بنسبة 62 في المئة، رغم ان اقرار الزيادات تم على اساس تطبيق اصلاحات في الادارة لم تطبق ولم يتم تقييم الاداء الانتاجي.

5- استمرار النزف الاقتصادي والمالي دون احتساب النتائج السلبية المتوخاة من وراء ذلك والتخوف من ان يصل العجز الى 13 في المئة من حجم الاقتصاد في موازنة العام 2019، حيث استمرت سياسة الانفاق لولا التدبير الذي اتخذه وزير المالية علي حسن خليل مؤخراً بضبط الانفاق وصرفه على الرواتب والاجور فقط وعلى اساس القاعدة الاثني عشرية. ولولا تغريدات سلامة.

من المؤسف ان توجه السهام الى حاكم مصرف لبنان وهو الذي كان يطلع الرؤساء الثلاثة دورياً على الاوضاع المالية والنقدية والاقتصادية، اضافة الى ذلك السؤال الذي يطرح هو : هل ان حاكم مصرف لبنان من يضع السياسة المالية وهو من اوصل الدين الى 100 مليار دولار، وهو من يقرر الاستدانة لتغطية العجز، ام ان الحكومة والمجلس النيابي هما من يقرران الاستدانة بالعملات الاجنبية واخرها حصل لتغطية هذا العجز؟ مع العلم ان القطاع المصرفي يؤمن تمويل حاجات الدولة اضافة الى القطاع الخاص.

واذا كان بطيش يطالب بخفض الدين العام بنسبة واحد في المئة الذي يؤدي الى تأمين 900 مليون دولار، فان هناك حوالى 10 مليارات في الاسواق المالية و4 مليارات متأتية من مؤتمرات باريس وحوالى 5 مليارات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بحيث لا يبقى سوى الاكتتابات للقطاع المصرفي ومصرف لبنان، مع العلم ان مصرف لبنان والمصارف ساهما بمؤتمرات باريس.

عادة تلجأ المصارف المركزية الى اجراءات غير تقليدية للمحافظة على الاستقرار، وقد اطلق مصرف لبنان هندسته المالية في وقت يسجل فيه ميزان المدفوعات تراجعا كبيرا لعدة اسباب منها : التراجع في نمو الودائع المصرفية، والمنافسة الاقليمية على العملات الاجنبية، واهمها الاوضاع السياسية غير المستقرة التي استنزفت الكثير من دعائم البلد المالية والاقتصادية.

واذا كان بطيش قد رد على سلامة الذي قال إن سوء الادارة يسهم في عجز الموازنة والتضخم ويهدد استقرار البلد والقدرة الشرائية للمواطن، خصوصا ان هذه الحكومة وبعد مرور شهرين على تشكيلها لم تبحث في اي برامج اصلاحية تضع لبنان على مسار اصلاحي، من خلال مطالبة بطيش بخارطة طريق للحلول للالتزام بها وتطبيقها، وقد اصبحت معروفة. المهم ان تبدأ الحكومة بالتنفيذ لان عامل الوقت في مثل هذه الظروف لا يرحم.

مهما يكن من امر، المفروض ان يلتقي بطيش وسلامة داخل الغرف المغلقة للمحافظة على ما تبقى من الاستقرار للبدء بتنفيذ الاصلاحات الموعودة قبل خراب البصرة حيث لا ينفع الندم والقيل والقال المهم ان تتم الترجمة بصورة سريعة، خصوصا ان الافكار المطروحة من قبل الرجلين تبدو متقاربة ومتشابهة بالنسبة لموضوع العجز في الموازنة وترشيد الانفاق وغيرهما.

من المؤسف ان تطال السهام حاكم مصرف لبنان الذي خدم وطنه اكثر من ربع قرن حافظ فيها على استقرار العملة الوطنية رغم معرفتنا كيف كانت تتلاعب بها الاقدار خلال الحرب، وكيف طور النمو المصرفي وعنونه بالثقة التي ما برح القطاع يتمتع بها، وها هو اليوم يطلق تغريداته من اجل انقاذ البلد مالياً واقتصادياً.

لقد نال سلامة اوسمة من دول ومؤسسات وآن الاوان لكي ينال وسام دولته اللبنانية.

المصدر :الديار

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

قبل انطلاقه… هل يسقط قطاع القنب الهندي في فخ المحاصصة والحسابات الحزبية؟

في وقتٍ يترقّب فيه اللبنانيون انطلاق قطاع القنب الهندي الطبي كواحد من المشاريع القادرة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.