
كتب محمّد حميّة
مُذّ فتح حزب الله الجبهة الجنوبية إسناداً لغزة، حرص على تجنيب الجنوب ولبنان شرّ الحرب والمجازر والتهجير وسعى في الوقت عينه إلى حماية معادلات الردع التي أرستها المقاومة عبر العقود السابقة لا سيما أمن العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية والأهداف المدنية والمرافق الحيوية والمؤسسات العامة. وأظهر المشهد الحدودي تقيُّد حزب الله والجيش الإسرائيلي بقواعد إشتباك معينة، ما يُخفي تفاديهما لتوسيع الجبهة الى مستوى الحرب المفتوحة رغم الضربات التي تجاوزت حيناً القواعد الحاكمة للحدود ما بعد 7 تشرين الأول.
وبقي الوضع عند هذا المستوى حتى جاءت عملية اغتيال القيادي في حركة حماس صالح العاروري في الضاحية لتضع “الحزب” بين خيارات صعبة:
*احتواء الضربة والقبول بتغيير “إسرائيل” لقواعد الإشتباك وإسقاط معادلتين أساسيتين في الصراع: أمن الضاحية منذ حرب تموز 2006، والرد على استهداف أي شخصية للمقاومة في لبنان وفق ما أعلن السيد حسن نصرالله في خطاب آب الماضي.. ولهذا الخيار تداعياته الخطيرة لأنه يكشف الضاحية وبيروت وكل لبنان على الإستهداف الأمني وربما العسكري، ويسيل لُعاب حكومة الحرب الإسرائيلية باستهداف المزيد بنك الأهداف، وحينها من الصعب لجم إندفاعة “إسرائيل” وإعادتها إلى قواعد الإشتباك المعروفة، والأخطر أنه يمنح “حكومة الحرب” ورئيسها بنيمين نتانياهو إنتصارات بالجملة يصرفها بترميم هيبة الجيش وقوة الردع الإسرائيلية التي أصيبت بالصميم بعد “طوفان الأقصى” وخلال شهور الحرب الثلاثة، ويمنح الجيش الإسرائيلي فائض قوة يُسيّله في الحرب في غزة، وبالتالي يعطي الحرب الثالثة (الأمنية التي يريدها الأميركي) فرص للنجاح، وبالتالي تشكل وسيلة إنقاذ لنتنياهو ويطيل أمد الحرب في غزة قد تدفعه لعدوان واسع على لبنان للقضاء على حزب الله، ويمنح الأميركي أيضاً هامشاً من الوقت للبحث عن مخرج “مشرف” للحرب الذي تورط بإعلانها وبإدارتها منذ 7 تشرين الماضي.
*الخيار الثاني: الرد بضربة مؤلمة على “إسرائيل” ومنح نتنياهو ما ينتظره من ذريعة أمام الرأي العام الإسرائيلي والإدارة الأميركية لتنفيذ تهديداته وشن عدوان واسع على لبنان، وأخذ المنطقة الى حرب إقليمية تُمكّنه من إطالة أمد الحرب وتأجيل محاكمته القضائية المنتظرة في شباط في قضايا فساد، وتوريط الأميركيين ظناً أن دخول الأساطيل الأميركية المعركة سيغير المعادلة وتنتهي الحرب بانتصار يكون نتنياهو شريكاً به ويخرج من الحرب كبطل قومي في عيون الرأي العام الإسرائيلي ويتخلص من مشاكله التي تطوقه، وبحال انتهت الحرب بتسوية في المنطقة فتضيع هزيمة نتنياهو بها وتتوزع الخسائر على حكومة “اسرائيل” والإدارة الأميركية ومن يدخل بها من الحلفاء لواشنطن.
ماذا سيختار حزب الله؟
وفق مطلعين على موقف “الحزب” فإن قيادة المقاومة تدرس بميزان من ذهب الخيارات، وكما أدارت الحرب منذ 8 تشرين الأول بالحكمة والعقلانية والحزم، فإنها لن تُؤخذ بالشعارات الشعبوية والإنفعالية مع تقديرها لعاطفة جمهور المقاومة في لبنان والعالمين العربي والإسلامي، وهي بالتأكيد لن تختار الخيار الأول ولا الثاني، بل إبتكار معادلة جديدة بين الخيارين الأول والثاني: الرد على العدوان وحماية معادلات الردع وأهمها أمن الضاحية وحماية قيادات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وبالوقت نفسه عدم الذهاب الى الحرب ومنح نتنياهو طوق النجاة من موته المحتوم.
المعادلة ستكون أكثر من رد وأقل من حرب، والرد الأولي كان باستهداف قاعد “ميرون” للمراقبة الجوية تقع على قمّة جبل الجرمق في شمال فلسطين المحتلة وهي أعلى قمّة جبل في فلسطين المحتلة، وفق بيان المقاومة، التي جزّأت الرد ودرّجته من الرد العادي الى الأقوى إيذاناً بإعلان الحرب النفسية والإستنزاف المفتوحة على “إسرائيل” مقابل الحرب الأمنية الأميركية – الإسرائيلية المفتوحة على محور المقاومة، كجزءٍ من توازن الردع، وهذه الحرب أخطر من الحرب الأمنية لأنها تُبقي الكيان الاسرائيلي في حالة الإستنفار القصوى في الداخل والخارج إلى وقت طويل، لأن لبنان لا يستطيع مواجهة الحرب الأمنية بنفس الأسلوب نظراً للتفوق الأميركي – الإسرائيلي بمجال التكنولوجيا والإتصالات والأقمار الصناعية، فيما كيان الاحتلال والجبهة الداخلية الإسرائيلية ضعيفة جداً في الحرب النفسية والاستنزاف.
لكن هل تنجح “المعادلة المزدوجة” بالحفاظ على معادلة الردع وعدم الذهاب الى الحرب المفتوحة؟ وهل يضع حزب الله الحرب المفتوحة من بين خياراته؟
هذه المعادلة تمنع إلى حدٍ كبير عدواناً إسرائيلياً واسعاً على لبنان كون الرد على دفعات ويستهدف مراكز عسكرية وعلى الحدود اللبنانية الفلسطينية لا يعطي أي مبرر لـ”إسرائيل” لشن عدوان واسع على لبنان، لكن الرد والرد على الرد والوجبات المقبلة المنتظرة من رد المقاومة على استهداف الضاحية، قد يتدحرج الى حرب واسعة من دون قرار أو نية من الطرفين ولا يعد هناك إمكانية لضبطها، وتتحول الحدود الى ساحة حرب حقيقة قد تمتد الى كل لبنان وربما الى المنطقة وتدخل فيها دول أخرى كسوريا وايران مباشرة.
وقد تحدث نصرالله بين سطور خطابيه عن هذا الخيار وهذا هو السر المُشترك بين الخطابين الموصول بخيط رفيع وهو أن الحرب المفتوحة قد تقع في أي لحظة ويجب الإستعداد لها:
*في الخطاب الأول الأربعاء الماضي، وجه نصرالله رسائل حاسمة لـ”إسرائيل” بقوله: “إذا فكر العدو بشن حرب على لبنان “فإن قتالنا سيكون من دون سقوف وضوابط، ومن يفكر بالحرب معنا سيندم وستكون مكلفة واذا كنا نداري حتى الآن المصالح اللبنانية فاذا شنت الحرب فإن مقتضى المصالح اللبنانية الوطنية أن نذهب بالحرب إلى الأخير من دون ضوابط”. وكأن نصرالله يعلم بأن حجم رد المقاومة سيضع الإسرائيلي بين خيارات صعبة لن يستطيع الصمت وتصبح الحرب الواسعة حتمية.
*في الخطاب الثاني خصص نصرالله جزءاً كبيراً لمخاطبة الجنوبيين الذين يتكبدون ثمن الحرب وسيتكبدون أثمان أي حرب مقبلة واسعة النطاق بقوله: “لو كان قُدّر للعدو الاسرائيلي أن يهزم المقاومة في غزة النوبة بعد غزة هي في جنوب لبنان، سيأتي هذا العدو ليكسر إرادتكم، هذه المعكرة اليوم بدأت من أجل فلسطين لكنها أيضا هي من أجل كل حبة تراب من جنوب لبنان خصوصا جنوب الليطاني”. وكأن “السيد” يُحضر الجنوبيين للصبر وتحمل تداعيات الحرب المقبلة إذا اندلعت.
ويشير المطلعون على موقف المقاومة إلى أن “الحزب” كما كان منذ بداية الحرب، يسعى لتجنيب لبنان الحرب الشاملة، لكنه لا يخشاها ويملك إمكاناتها ويخوضها بكل عزم وإرادة وبأس وقوة وسينتصر فيها إذا فُرِضت عليه. لكن العوامل وموازين القوى التي تحكم المعادلة على الحدود و”الضابط” الأميركي لعدم تمدد الحرب لم تتغير حتى الساعة وبالتالي فإن الحرب الموسعة مستبعدة حالياً، في ظل حراك دبلوماسي أميركي – أوروبي الى المنطقة والى لبنان لاحتواء التصعيد وفتح مسار تفاوضي وعروض على حزب الله لاستعادة الأراضي اللبنانية المحتلة مقابل تهدئة الجبهة، رد عليها نصرالله في خطابه الأخير بما معناه الإنفتاح على الحلول الديبلوماسية للإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة مع رفع سيف التحرير عبر المقاومة العسكرية كجزءٍ من البركات الوطنية لـ “طوفان الأقصى”، لكن نصرالله كرر بأن لا تهدئة للجبهة قبل توقف العدوان على غزة.
حتى انتهاء جولة الحرب في غزة، سيبقى لبنان رهن السباق بين الانفجار الأمني والعسكري وبين الدبلوماسية التي قد تنجح باحتواء الوضع وإبعاد الحرب المدمرة عن لبنان.
المصدر :belwasat.com
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package