أخبار عاجلة

لبنان تركيبة فرنسية و الموارنة شريحة من شعبه … بعد تركيبه   (2)

بقلم المؤرخ الأكاديمي والكاتب السياسي د.حسن محمود قبيسي

فكرة لبنان الكيان وجغرافيته وحدوده لم تخطر ببال أحد  قبل الجنرال الفرنسي دي بوفواردو تبول .                    ففي كتابه  «التاريخ العسكري للمقاطعات  اللبنانية  في عهد الأمارتين  ج1  الأمارة المعنية »   كتب اللواء الدكتور ياسين سويد في  ص  16- 17 ومنه نقتبس  : في 15 /2/ 1861 أرسل  الجنرال الفرنسي دي بوفوار دو تبول  قائد الحملة البحرية الأوربية  إلى بيروت، إلى وزيرحربية بلاده تقريرًا مؤكدًا على تقريرسابق له اقترح فيه إنشاء دولة تكون متصرفية جبل لبنان  ذات الخصوصية الإدارية ،التابعة في آخر التقسيمات العثمانية الإدارية لولاية بيروت  نواته  التي  يحتويها محيطها ، ويستند إلى الوثيقة الفرنسية:

– Service historique de l’Armée de Terre, Section ancienne, Dossier CôteG4 (1).      Vincennes, France    . ( الوثيقة رقم 4   وفيها تقرير الجنرال بوفور دو تبول بشأن إقتراح إنشاء دولة لبنان ( عام 1861) رقم الصفحة 394 من كتاب سويد  ) . 

وهو ما أكده إميل إدة عضو الوفد اللبناني  للرئيس  الفرنسي جورج كليمنصو  في قصر فرساي  في كانون  الثاني سنة 1919 :  «  أحضرت لك  الخريطة التي سبق للجيش  الفرنسي أن وضعها عام 1862 ، ورسم فيها حدود لبنان. ونحن نريد حدود هذه  الخريطة » .

*****

ما أُلصق بالأمير فخر الدين  المعني الثاني من وضعه أسس لبنان؛ فتحميل ما لا يحمل ولم يفكر به ، ولم يُعرف عنه أنه تطرق إلى موضوعلبنان كدولة مستقلة ، وكل تاريخه تبيعية و ذيليية  للسلطنة وولاتها، وإن خرج على أحدهم فسرعان ما يعود لتقديم الولاء له  وللسلطنة . وكل  تلك البطولات الوهمية التي أسدلت عليه ف« رد جميل » من المارونية  السياسية لاستقدامه  موارنة من جبل لبنان الشمالي  إلى جبل  الدروز ، ومنه انطلقوا إلى ما وصلوا إليه وما أوصلوا لبنان إليه،  فكرسوه ساحة لتصفية حسابات الدول في صراعاتها . وما قدّمنا عن المعني يصدق على الأميربشيرالثاني الشهابي الذي بذه قلة وفاء و شراسة و سفك  دماء  و ثمل عيون وقطع رؤوس. 

أما الزعم الفارغ بأن مطالبة  الوفد لفرنسا ، وقد تكون هي وراء سفر تلك الوفود ودعواتها ( وبينها الوفد الذي رأسه  البطريرك الحويك إلى  مؤتمر الصلح في آب 1919  في باريس، وضم ممثلين عن طوائف متصرفية جبل لبنان  باستثناء طائفة الروم الأرثذوكس الذي تغيب ممثلها لأسباب  شخصية،  كما ممثل الطائفة الشيعية،التي فوض زعيمها كامل الأسعد الجد، البطريرك بتمثيل الشيعة  إلى جانب تمثيله الموارنة  ) ،   فهو   -الزعم  بإنشاء لبنان  ب« حدوده  التاريخية والطبيعية » !!! لا يزيد عن كونه دعابة سمجة لا أساس لها من الصحة .  إذ أن حدود« أمارات» مقاطعجية المناطق التي ركّب الفرنسي منها دولة لبنان الكبير ،لم تكن لا تاريخية و لاطبيعية ولا ثابتة ، كانت تضيق و تتسع وفق حذاقة المقاطعجي ووفرة رشاواته ومطواعيته و مدفوعاته. 

*****

لن نفصّل في ردود على مروجي تلك الدعابة  السمجة والمقيتة والمملة ، مكتفين بالرد على  نيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي،  وفي آخر ما قرأنا له  تسآلًا في كلمته  في عيد مار مارون 9/2/2024: «هل من يجهل أنّ الموارنة لعبوا الدور الحاسم لإقامة دولة لبنان الكبير، وقد توّج مسيرتهم البطريرك الياس الحويك» ، والحقيقة  أن فرنسا هي من حسمت  – بعد موافقة بريطانيا – إنشاء دولة لبنان.  

وفي دعواه : «لا يسعنا إلّا أن نذكر البطاركة الموارنة الذين قادوا المسيرة التكوينية للبنان منذ عهد القديس يوحنا مارون وصولاً إلى إعلان دولة لبنان الكبير» !!!!. ويظهر أن الأمر التبس على نيافته فسحب ما قدمه القديس يوحنا مارون   منذ حوالي أربعة عشرقرن للمارونية فألبسه للبنان . كيف اهتدى نيافته إلى هذا الاستنتاج  الإلغائي العبثي ؟. 

إنشاء لبنان كان لتحقيق مصلحة من أنشأه ؛لا مراعاة لرغبات مكوناته أو ممثليه .                                            من هذه  المُسَلمة نبدأ ، وانطلاقًا منها نتصارح  ونتحاور .  

حاول موارنة استغلال المكرمة الفرنسية بالاستئثار وتغييب الانماء المتوازن وحرمان مناطق لبنانية وأهلها من الخدمات ،  حتى أصبحت تلك السياسية مضرب مثل حمل النائب جورج عقل للاحتجاج  ( كما نشرت صحيفة «النهار» في24 /11/ 1946) على حجب خدمات عن منطقته  –كما سماها-: « يبدو أن منطقتي تعامل وكأنها من أقاصي جنوب لبنان »، 

كانت الخطوة الأولى بإصلاحات الرئيس اللواء فؤاد شهاب  في عهده ( 1958-1964) ، والخطوة التالية بإصلاحات « اتفاق الطائف »وانتزاع  امتيازات  المارونية السياسية ؛ فصارت محاولة استرجاعها  خطابًا شعبويًا تحريضًا على لسان  كل طامح للزعامة الشعبية . 

الفتنوية

مع المفترض أنه الأكثر حرصًا على لبنان من الجميع ، ونكتفي بعينات منها تغْني … 

أكد الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أنّنا «أمام عملية إقصاء مبرمجة للموارنة وإقصائهم وسائر المسيحيين من الوزارات والإدارات العامّة؟ عن الدولة بدءاً من عدم انتخاب رئيس وإقفال القصر الجمهوري، والعودة إلى ممارسة حكم «الدويكا»بالشكل الواضح للعالم وغير المقبول» [لم يعرف لبنان هذا النظام منذ إنشائه حتى اليوم] ، مشدّداً على أنّه «بغياب الرئيس يُستباح الدستور ولا من سلطة توقف هذا الواقع الشواذ، فهل أصبحنا في دولة نظامها استبدادي يحلّ محلّ النظام المعلن في مقدمة الدستور؟».

ولنا  أن نسأل  نيافته عن من يقصي  الموارنة عن الدولة؟ ونتمنى  أن يجيب ويعترف ، ولكان لو أجاب فسيجيب أنهم هم الموارنة من ابتعد عن الوظيفة العامة ، وأبعدوا جماعاتهم عن الحكم ؛ فلم يتجاوبوا  مع أي مسعى وتبادلوا الفيتوات بين المرشحين  و الطامعين ، وعن المشاركة ، وعن  الإدارة  بعدما  اقتتلوا وصفى الأقوى القوي والضعيف ؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر باغتيال طوني فرنجية  وداني شمعون والخوري و المونسينيور ألبير خريش في جونية و عشرات الضباط الموارنة الملتحقين بالعماد ميشال عون  أبان  الحرب اللبنانية المدولة وحرب الإلغاء بين عون و جعجع ، هذا علاوة  على احتكار الرئيس و جماعته كل المناصب و المراكز. 

ونذكّر بأنه لم يحترم الدستور في ولاية أي رئيس  للجمهورية  منذ الشيخ  بشارة الخوري وشقيقه   « السلطان سليم » حتى ميشال عون وصهره باسيل. 

*****

البطريرك  رجل بالبور ورجل  بالفلاحة

استبشرنا خيرًا بزيارة  نيافته للجنوب  وتفقد أهله ولو متأخرًا .  فبعد غياب استمر شهرين عن التعليق على أحداث غزة أو اتخاذ أي موقف بشأنها، قام بزيارة الى مدينة صور في السابع من كانون الأول/ ديسمبر2023 للتضامن مع أهل الجنوب حيث كان في استقباله نواب وقيادات من حركة أمل وحزب الله.

وخاطب الراعي خلال الزيارة أهالي الجنوب قائلا: أن «هذه الحرب خارجة عن كل الحضارة والقوانين الانسانية، نحن معكم في حاجاتكم ومعكم من اجل الصمود، ونحن نصمد بوحدتنا ونعرف ان عدونا يطمح دائما لقضم اراض من لبنان وهذا طموحه منذ زمن، ونحن معكم صامدون ومتضامنون ونحمل معكم القضية الفلسطينية، ولكن نشهد حرب ابادة، ليس فيها رحمة، هي حرب تدميرية مبرمجة، ولا نستطيع ان نتفرج على ابادة شعب، واتينا للتكاتف ومن اجل الصمود».

ويبدو أن  عند نيافته «لكل مقام مقال» ؛ فوضع البطريرك الماروني بشارة الراعي نفسه موضع الشبهات، فاتهمه  لبنانيون يناصرون المقاومة ونهجها الدفاعي بنقل أدبيات تتماهى مع خطاب الاحتلال الصهيوني . 

وبعدما  أشعل تصريح له  يوم 28 /1/2024  في قداس الأحد في كنيسة السيدة في بكركي يناقض مواقفه التآلفية السابقة؛ صعقنا أمام الانقلاب المقلق في مواقف  نيافته، ورد إدعاءاته إلى احتجاج مواطنين (أدعى أنهم كل اهالي القرى الحدودية). هم قد يكونون فزعًة – نفهم ذلك ونتفهم – أو مرتبطًبين خونة، ولا يؤخذ بأقوالهم  .                                 للمواطن أن يشكو مواجعه المحقة و يتحسب لما يرى  في تجنبه منجاة ، و ل«أهالي القرى الحدودية عبّروا لنا                [ حق التعبير] عن وجعهم لتخلي الدولة عنهم وعن واجباتها تجاههم، فهم يعيشون وطأة الحرب»، – والمستهجن أننا لم نسمع شكاوى منهم في زمن الاحتلال الصهيوني لقراهم ، ويبدوا أنه تعايشوا معه وطاب لهم ذلك فارتاحوا له ولتنكيله بالآخر. ولكن ليس لهم أن يحدد وا كما نقل الراعي عنهم: «إنه لا شأن للبنان واللبنانيين بالحرب ونعيش ضغوطات الحرب النفسية، وتسحق أعصابنا أهوال الغارات وأصوات القذائف، وأطفالنا محرومون من وسائل الترفيه، ولا يتلقون تعليماً إلا عن بعد ».                                                                                                                       «كلمة حق أُريد بها باطل» هي بدون شك ، ولكن استفتتوا من حتى استنتجوا ما نُسب إليهم .؟!

وليس لهم أن يمنعوا الجموع من ممارسة حقهم في الدفاع عن حياتهم  وكرامتهم وحقوقهم  التي ظلت مستباحة إلى ما قبل أن  « تشق طريقها إلى النصر  فوق بحر من الدم  وتحت أفق مشتعل بالنار» وتفرض قواعد اشتباك   يوم إفشال عدوانيّ نيسان 1996بفرض تفاهمه ، وصيف 2006 وانتزاع  القرار1701 الذي تخرقه القوات الصهيونية  يوميًا ، دون  احتجاج اهالي القرى الحدودية «المستكينة»  للاعتداءات الصهيونية ،ولا امتعاض نيافته . 

يرفضون أن يكونوا كما يُعلق محرضًا  «رهائن ودروعا بشريّة وكبش محرقة لسياسات لبنانية فاشلة، ولثقافة الموت التي لم تجرّ على بلادنا سوى الاتصارات الوهميّة والهزائم المخزية».

أو ليس تسخيفًا للعطاءات والانتصارات وصف المقاومة، وللمقاومة طريقًا حدده السيد  المسيح :                                   « من ليس عنده سيفًا  فليبع رداءه  و يشتري سيفًا»، وصفها ( المقاومة )  بثقافة الموت ، ووصف التحرير وطرد العدو الصهيوني وفراركبارعملائه والعفوعن صغارهم  ب «الاتصارات الوهميّة والهزائم المخزية»  ؟!.

في أدبيات المحرضين  «ثقافة»  الفتنة  ، وهذا لا يوصل إلا إلى الانتحار السياسي والشرذمة  والتفتيت ، وعلى  ما يبدو،  فما في أي منها ما يتجنبها الفتنويون من المارونية السياسية المتمسكين ب : 

« ما لنا لنا ، وما لكم لنا ،  وما تبقى منها فلكم». 

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

تركيب وتفكيك الشرق الأوسط بين ترامب ونتنياهو

*كتب عبد الهادي محفوظيحاول رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أن يوحي لواشنطن وطهران أنه المتحكّم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.