لحظة التطبيع بين سوريا وإسرائيل لا تزال بعيدة المنال لكنها لم تعد من المحرّمات

المقاربة السورية لهذا الملف تعتمد على سياسة «جسّ النبض» لا اتخاذ قرار نهائي


كتب حسين زلغوط في صحيفة اللواء
بينما تشهد المنطقة تحوّلات سياسية متسارعة، يعود الحديث مجدّداً عن إمكانية انفتاح في العلاقات بين سوريا وإسرائيل، وسط مؤشرات متزايدة على وجود قنوات تواصل غير معلنة، ومحاولات لتقريب وجهات النظر حول ملفات شائكة ظلت على مدى عقود من المحرّمات الإقليمية.
فمنذ إعادة تشكيل المشهد السياسي في سوريا بعد التحوّلات الكبرى التي شهدتها البلاد في العام الماضي، يبدو أن العاصمة دمشق بدأت في مراجعة أولوياتها، وفي مقدمتها إعادة التموضع إقليمياً وتخفيف العزلة الدبلوماسية. فبينما تطرح عدة عواصم حلولاً لتسوية الملفات العالقة في الشرق الأوسط، تلوح في الأفق إمكانية لانخراط سوري أكثر مرونة في الحوارات الإقليمية، حتى تلك التي كانت تُعدّ من المحظورات الوطنية، كفكرة التطبيع مع إسرائيل.
أوساط سياسية مطّلعة تقرأ في بعض التغيّرات الخطابية والسياسية مؤشرات على تغيير في المنهج السوري حيال إسرائيل، فغياب التصعيد الإعلامي التقليدي، وتراجع الخطاب المعادي، إلى جانب حديث متزايد عن «ضبط النفس على الحدود» في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، و«ضمان الأمن الوطني»، قد يُفهم على أنه تمهيد لتحوّل تدريجي في مقاربة العلاقة مع الدولة العبرية.
في المقابل، تبدي إسرائيل اهتماماً متزايداً بفتح قناة حوار مع سوريا، لا سيما في ضوء اعتبارات أمنية تتعلق بحدودها الشمالية، إضافة إلى رغبتها في استكمال حلقات تطبيعها مع أطراف عربية كانت حتى وقت قريب خارج هذا المسار.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن أمام عملية تطبيع شاملة ووشيكة؟ أم أن ما يجري لا يتجاوز حدود إمكانية التفاهمات الأمنية المرحلية؟
رغم الأحاديث المتداولة عن اتصالات متقطعة بين الطرفين، إلّا أن الطريق نحو تطبيع كامل لا يزال محفوفاً بتعقيدات كبيرة. من الجانب السوري، تبقى مسألة السيادة على الجولان المحتل إحدى أبرز القضايا العالقة التي لا يمكن تجاهلها في أي تسوية مستقبلية. كما أن شرعية أي اتفاق داخلياً تتطلب موافقة شعبية لا يبدو أنها متوفرة في الظرف الراهن، خصوصاً في ظل الإرث العميق للصراع العربي – الإسرائيلي في الوجدان السوري.
أما من الجانب الإسرائيلي، فإن الاعتبارات السياسية الداخلية، وخشية تبعات أي تنازلات في قضايا الأرض والحدود، قد تجعل من فكرة التطبيع مع سوريا أكثر حساسية من غيرها من الملفات التي تم تسويتها مع دول أخرى.
إضافة إلى ذلك، فإن تعدد الفاعلين على الأرض السورية، بين أطراف إقليمية ودولية، يجعل من مسألة اتخاذ قرار استراتيجي بشأن العلاقة مع إسرائيل أمراً معقّداً يتجاوز الإرادة السورية وحدها، بحسب ما تؤكده الأوساط السياسية المطّلعة.
غير انه في العمق، فإن ما يُحرّك هذا المسار ليس فقط الرغبة الثنائية في التهدئة أو التقدم نحو التطبيع، بل أيضا التغيّرات الإقليمية التي تشهد إعادة ترتيب للتحالفات، وتراجعاً في مركزية الصراع العربي – الإسرائيلي في الأجندة السياسية لبعض الدول. وبالنسبة لسوريا، فإن المصلحة في كسر العزلة السياسية، واستقطاب دعم اقتصادي دولي، قد تدفع نحو خيارات كانت مرفوضة في مراحل سابقة.
لكن دمشق، رغم ما يُقال عن انفتاحها الجديد، تبدو حريصة على إبقاء خط الرجعة مفتوحاً. فلا تصريحات رسمية تؤكد وجود مفاوضات، ولا خطابات سياسية تمهّد بشكل واضح لهذا المسار، الأمر الذي يوحي بأن المقاربة السورية تعتمد سياسة «جس النبض» لا اتخاذ قرار نهائي.
ان ما يمكن الجزم به حتى الآن، هو أن الطرفين يخوضان اختبار نوايا طويل الأمد، وربما تفاهمات أمنية محدودة، وليس مساراً فعلياً نحو تطبيع دبلوماسي شامل. فلا مؤشرات على اتفاق وشيك، ولا حتى معالم إطار تفاوضي واضح، غير أن مجرد كسر حاجز الصمت، وحدوث اتصالات، ولو غير مباشرة، بين دمشق وتل أبيب، يمثل تحوّلاً في حد ذاته، قد تترتب عليه تطورات لاحقة.
ما من شك ان لحظة التطبيع بين سوريا وإسرائيل لا تزال بعيدة المنال، لكنها لم تعد من المحرّمات المطلقة. الزمن وحده كفيل بالكشف عمّا إذا كانت هذه الإشارات تمهيداً لتحوّل استراتيجي حقيقي، أم مجرد مناورة سياسية لتمرير الوقت في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.