
بقلم: نورا علي المرعبي
عندما سقط القصف على أرض لبنان، لم يكن الحدث مجرد ضربة عسكرية تُضاف إلى سجل التصعيد، بل كان لحظة كاشفة سقط فيها وهمٌ طويل بأن هذا الوطن ما زال خارج معادلات النار الكبرى. في تلك اللحظة، لم يُقصف موقع جغرافي فقط، بل اهتزّ معنى الأمان ذاته، وسقطت المسافة الفاصلة بين لبنان كدولة، ولبنان كساحة.
ما حدث لم يكن حادثًا معزولًا، بل مؤشرًا استراتيجيًا خطيرًا على انتقال لبنان من موقع المتأثر بالصراعات إلى موقع الواقع داخلها. هذه ليست مسألة عسكرية بحتة، بل مسألة سيادية وجودية. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة هشة ليس قوة الضربة الأولى، بل دخولها في مسار تصعيد لا تملك التحكم بإيقاعه ولا بنهاياته.
لبنان اليوم ليس في موقع يسمح له بتحمل حرب طويلة أو مفتوحة. هذه ليست قراءة سياسية، بل حقيقة بنيوية. فالدولة التي استُنزفت اقتصاديًا، وتآكلت قدرتها المؤسسية، وتعرض مجتمعها لضغط وجودي مستمر، لا تملك هامش امتصاص صدمات كبرى. أي تصعيد إضافي لن يكون مجرد مواجهة، بل سيكون تسارعًا في مسار الانهيار، وضربًا لما تبقى من ركائز الاستقرار الوطني.
في قلب هذه اللحظة، يبرز جوهر القضية: السيادة ليست شعارًا، بل مسؤولية بقاء. السيادة تعني أن لا يتحول الوطن إلى نقطة تماس لصراعات الآخرين، ولا إلى مساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بالنار. السيادة تعني أن يكون أمن اللبنانيين واستقرارهم هو الأولوية المطلقة، وأن يبقى قرار حماية لبنان نابعًا من مصلحته الوطنية العليا، لا من توازنات تتجاوزه.
إن الجيش اللبناني، كمؤسسة وطنية جامعة، لا يمثل فقط قوة عسكرية، بل يمثل فكرة الدولة نفسها. يمثل حق لبنان في أن يبقى وطنًا، لا ساحة. ويمثل الخط الفاصل بين بقاء الدولة ككيان، وانزلاقها إلى منطق الانكشاف الكامل.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس القصف بحد ذاته، بل ما يعنيه. لأنه عندما يصبح لبنان داخل دائرة الاستهداف، يصبح مستقبله كله داخل دائرة الخطر. والتاريخ يعلّمنا أن الأوطان لا تنهار فقط تحت وطأة الضربات، بل تنهار عندما تفقد قدرتها على حماية نفسها من أن تكون مسرحًا لضربات الآخرين.
هذه ليست كلمات خوف، بل كلمات مسؤولية. وليست صرخة ضعف، بل صرخة وعي. لأن حماية لبنان ليست خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. ولأن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن هذا الوطن لم يعد يحتمل أن يكون ساحة، ولم يعد يحتمل أن يكون ثمنًا، ولم يعد يحتمل حربًا لا يملك قرارها.
لبنان ليس موقعًا يمكن تعويضه.
لبنان هو وطن.
والوطن، عندما يُستهدف، لا يكون الحياد صمتًا… بل يصبح الوعي واجبًا، والصوت مسؤولية، والحماية قدرًا لا يحتمل التأجيل.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package