
*كتب عبد الهادي محفوظ
رهان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو على أن اغتيال الإمام علي الخامنئي المرجع الروحي للجمهورية الإسلامية في إيران هو المدخل لتغيير النظام السياسي فيها هو رهان خاطئ. فذلك يرتبط بتفسير تبسيطي وإلى عدم المعرفة بموقع الإمامة عند الشيعة ولا حتى لمعنى الشهادة في تفكيرهم. فكيف إذا جاء هذا الاغتيال في سياق حرب خارجية تعتبر إيران “خطرا وجوديا على المصالح الأميركية والإسرائيلية”. من هنا فإن الدعوة الأميركية-الإسرائيلية إلى الشعب الإيراني بالانتفاضة والتظاهر ضد النظام الإيراني هي تعبير يسرف في المبالغات. ذلك أن السلطة الإيرانية درست جيدا ردود الفعل الإيرانية التي رافقت الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية السابقة ومعها شبكات التجسس ونجحت تقديراتها كما أخذت كل الاحتياطات الممكنة.
وهكذا فإن إزاحة الإمام الخامنئي عن قيادة مسرح العمليات لا يستتبع تراجعا ولا تنازلات عكس التقدير الأميركي. فالبديل محكوم بتوجهات الخامنئي كما البدائل للذين اغتالتهم واشنطن وتل أبيب في الضربات الجوية من قيادات عسكرية وسياسية بعد أن قامت برصد استخباراتي ومعلوماتي لهم على فترة يومين.
والإمام الخامنئي هو المؤسس الفعلي للجمهورية الإسلامية حيث أمضى أربعين عاما في السلطة. مرة كرئيس للجمهورية ومرة كمرجع فعلي للقرار تأتمر له كل مراكز السلطة السياسية والعسكرية والدينية. كما أنه هو من اشتغل على التقريب بين المذهبين الشيعي والسني تحت شعار الوحدة الإسلامية واستند في ذلك لكتابات حسن البنا والسيد قطب وترجم كتبهم إلى الفارسية حيث تم التأسيس المشترك لفكرة الحاكمية بالله والمقاربة شبه واحدة لظهور الإمام المهدي حيث في الفكر الشيعي هو الإمام الاثني عشر الذي غاب واختفى ليظهر لاحقا في وقت يختاره الله. أما عند السنة فالإمام المهدي سيولد لاحقا. ومن هنا نشأت بين إيران وباكستان وتركيا علاقات إسلامية وطيدة ولا زالت. ولذلك فإن اغتيال الإمام الخامنئي ليس مدخلا مباشرا لحالة هدوء واسترخاء وتغيير في بنية النظام السياسي لصالح ما يرمي إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو ما يرى فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو “تحولا مفصليا”. بل الأرجح أن الوضع في المستقبل القريب يميل إلى نوع من التشدد السياسي وخصوصا في ظل قيادة تجمع بين البعدين الديني والسياسي وتأخذ في الاعتبار التحولات العميقة في المنطقة وما تقتضيه من “براغماتية” بطابع بنيوي يبحث عن إعطاء الأولوية لمتحد اجتماعي إيراني متضامن من كل المكونات.
والواضح أن من بين الذين يعملون على مثل هذا التوجه هو الأمين العام لمجلس الأمن القومي الدكتور علي لاريجاني الذي كانت تربطه علاقات وثيقة بالمرجع الروحي الإمام علي الخامنئي والذي يتميز بثقافة واسعة ومعرفة عميقة بالنظام الرأسمالي والعلمانية والفكر الماركسي والديني ويضيف إلى ذلك ثقافة في الإعلام ودوره حيث كان مشرفا ومؤسسا للتلفزيون الإيراني كما كان متأثرا بالمفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي أحد الملهمين الأساسيين للثورة على الشاه والذي اغتالته السافاك في لندن قبل سنة من عودة الإمام الخميني إلى إيران. والدكتور لاريجاني على ما يبدو يحيط بما يخطط له الرئيس ترامب على صعيد تحريك الشارع الإيراني. من هنا كان تحذيره للجماعات الانفصالية بتظاهرات حاشدة ونزول مئات الآلاف من الإيرانيين في المدن والأطراف دعما للنظام واحتجاجا على اغتيال الخامنئي. وهذا في حد ذاته رسالة معبرة إيرانية من السلطة إلى الولايات المتحدة الأميركية عنوانها “نحن من يملك الشارع لا أنتم”. وهذا ما يعبر عنه لاريجاني بتشديده على الوحدة الوطنية بين الإصلاحيين والمحافظين وعلى عدم إغلاق الباب أمام تفاوض حول الملف النووي وغيره يحمي المصالح الإيرانية ودور إيران في المنطقة وكذلك الانفتاح على دول الجوار واعتبار أن قصف القواعد العسكرية الأميركية لا يستهدف دول الخليج وإنما اعتبار هذه القواعد أرضا أميركية تشن الولايات المتحدة الحرب منها على إيران.
في كل الأحوال سقط الرهان الأميركي على ابن الشاه حيث اكتشف الأميركيون أنه ليس أهلا للسلطة. والأرجح أن واشنطن ستجد نفسها ملزمة بالعودة إلى فتح قنوات التفاوض وكذلك إيران. ومدخل الرئيس ترامب إلى ذلك هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحديدا لأن إطالة أمد الحرب إلى فترة طويلة قد يحمل مفاجآت حتى بالنسبة لسيد البيت الأبيض في الداخل الأميركي وخارجه.
لبنانيا، هناك تشديد من السلطة على أن قرار الحرب والسلم يعود لها فقط. وهذا الأمر لا اعتراض عليه مبدئيا. وبيان حزب الله بتعزية الإمام الخامنئي تميز بالغموض البناء وكان “حمالا للأوجه”… ولكن التسريبات الإسرائيلية عن عملية عسكرية كبيرة تهيئ لها في جنوب لبنان وإنزال عسكري في البقاع وجرود الهرمل قد تكون دفعت حزب الله إلى معادلة جديدة وأن يكون جزءا من الحرب المحدودة على إيران مع تحفظ وتشدد من الحكومة اللبنانية في المجالين العسكري والأمني دون السياسي.
*رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package