
الكاتبة مها ريا/ تمنين التحتا
لم تكن تعلم، وهي في عمرٍ صغير، أن الزواج الذي دخلته هروبًا من قسوة بيتٍ متزمّت، سيكون قفصًا آخر… أكثر قسوة، وأكثر خفاء.
كبرت في ظل أبٍ يحدّها، يراقب تفاصيلها، ويقيس أنفاسها على ميزان “المسموح والممنوع”. لم تُمنح فرصة أن تكون نفسها، فظنّت أن الزواج بابٌ للحرية… لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأبواب تُغلق على الروح بدل أن تفتحها.
تزوّجت رجلًا نرجسيًا، رجلًا يرى نفسه محور الكون، ويُتقن فنّ التلاعب بالمشاعر. في البداية، بدا كل شيء جميلًا… اهتمام، كلام معسول، حضور طاغٍ. لكن تدريجيًا، بدأ القناع يسقط.
تحوّل الحب إلى سيطرة، والاهتمام إلى مراقبة، والكلمات إلى سكاكين ناعمة. كان يُقنعها أنها السبب، أنها ناقصة، أنها لا تكفي. ومع كل يوم، كانت تخسر جزءًا من نفسها… دون أن تدرك.
لم يكن الكسر فجائيًا، بل بطيئًا… مؤلمًا… ومتراكمًا.
فقدت ثقتها بنفسها، بصوتها، بقراراتها. صارت تشكّ بكل شيء، حتى بقدرتها على الشعور. كانت تعيش، لكنها من الداخل كانت تنطفئ.
ورغم ذلك… لم تستسلم. في داخلها، بقيت تلك الفتاة المتمرّدة، التي رفضت يومًا قيود والدها، تهمس لها: “هيدا مش قدرك”.
كبر أولادها… وكبر معها وعيها.
صارت ترى الصورة بوضوح أكبر، تفهم ما كانت تعيشه، وتدرك أن الصمت لم يعد حماية… بل سجن.
وفي لحظة شجاعة، ليست سهلة على الإطلاق، قرّرت أن تختار نفسها.
تركت… لا لأنها ضعفت، بل لأنها أخيرًا قوِيت.
لم تكن البداية سهلة.
امرأة بلا ثقة، تحمل تعب سنين، وذاكرة مليئة بالخذلان… كيف تبدأ من جديد؟
لكنها بدأت. خطوة صغيرة… ثم أخرى.
تعلمت أن تثق بنفسها من جديد، أن تحب انعكاسها في المرآة، أن تقول “لا” دون خوف، وأن تدرك أن قيمتها لا يحددها أحد.
لم تنتقم… بل تعافت.
لم تكسِر… بل أعادت بناء نفسها.
واكتشفت أن الخروج من العلاقة السامة ليس نهاية… بل ولادة.
اليوم، لم تعد تلك المرأة التي كانت.
هي أقوى، أوعى، وأصدق مع نفسها.
امرأة تعلّمت أن الحرية لا تُمنح… بل تُنتزع، وأن الكرامة ليست خيارًا… بل حق.
قصتها ليست حالة فردية… بل حكاية كثيرات.
نساء صمتن طويلًا، وانكسرن بصمت، لكن في داخلهن دائمًا شرارة… تنتظر اللحظة المناسبة لتشتعل.
هي لم تخسر حين تركت…
هي ربحت نفسها
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package