
كتب الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى مقالة في جريدة الجمهورية جاء فيها:”
في زمنٍ أمعن فيه ترامب وإدارته، ومَن يقف خلفها من دوائر النفوذ العميقة، في توظيف المسيحية وشعاراتها وصلواتها، لتبرير حربه في المنطقة واستدرار الغطاء المعنوي لها، خرج قداسة البابا ليُدين هذه الحرب بكلامٍ شجاعٍ لا لَبس فيه، معبّراً بذلك عن رفضٍ صريح لها، ومؤكّداً براءة المسيحية براءةً كلّيةً منها.
ولم يأتِ هذا الموقف بوصفه رأياً شخصياً عن قداسته، بل كصوت الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، بما تمثّله من ثقلٍ روحي وأخلاقي عالمي. فالبابا، بصفته رأس هذه الكنيسة، لم يتحدّث من موقعٍ سياسي أو ضمن اصطفافٍ دولي، بل من موقعٍ لاهوتي وأخلاقي، يستند إلى الإنجيل وتعاليم السيّد المسيح، الذي يضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، ويجعل من رفض العدوان قاعدةً مبدئية لا تقبل التكييف أو الاستثناء.
ومن هذا المنطلق، لا تُفهم إدانة الحرب بوصفها موقفاً موجّهاً ضدّ طرفٍ بعينه، بل تثبيتاً لمبدأ مسيحي راسخ: أنّ الحرب، متى تجاوزت حدود الدفاع المشروع وانقلبت إلى اعتداءٍ على الإنسان، تصبح فعلاً غير مشروع أخلاقياً وروحياً، مهما تعدّدت مبرّراتها وتنوّعت غطاءاتها، السياسية منها أو الدينية، أو حتى تلك المستندة إلى قراءاتٍ منحرفة للإنتماء المسيحي.
وتكمن أهمية هذا الموقف، في أنّه يُعيد المساواة بين البشر في القيمة والكرامة، فلا يُميّز بين مسلمٍ ومسيحي، ولا بين شرقٍ وغرب، بل ينطلق من رؤيةٍ ترى في الإنسان صورةً للكرامة الإلهية، فيصبح أيّ عدوانٍ عليه اعتداءً على جوهر هذه الكرامة، أياً كان مرتكبه، وأياً كانت الشعارات التي يتلطّى خلفها.
ومن هنا، يغدو صوت البابا رفضاً واضحاً لكل محاولةٍ لـ «تديين» هذه الحرب أو تسييس الدين لخدمتها، وقطعاً للطريق على أي خطابٍ يسعى إلى منح الظلم شرعيةً روحية زائفة. فالكنيسة، في معناها الرسولي الأصيل، لا يمكن أن تكون غطاءً للقتل، بل شهادةً دائمة ضدّ الإبادة والغطرسة والاستعباد.
إنّه موقف يُعيد تثبيت الفارق بين الدين المسيحي كرسالة سلام، وبين توظيفه كأداة في مشروعٍ يسعى إلى إخضاع الأرض وما عليها. ويذكّر بأنّ المرجعية المسيحية، حين تبقى وفيةً لذاتها، لا تنحاز إلّا للإنسان بوصفه قيمةً مطلقة، لا تُجزّأ ولا تُقاس بميزان الهوية أو المصلحة السياسية.
في المقابل، يبرز خطاب ترامب ومواقفه وممارساته، كنموذجٍ لمنهجيةٍ سياسية تميل إلى الإلغاء لا التعدّد، وإلى إخضاع المرجعيات لا التحاور معها. إنّها مقاربة تقوم على فكرةٍ مركزية مفادها أنّ الشرعية تُقاس بمدى الانسجام مع إرادة الـ Big Boss، الذي تدغدغه فكرة جعل الكل يسعون إلى الخنوع له واسترضائه كما عبّر هو بعبارته المقيتة «Kissing My Ass» لا بمدى استقلالية المؤسسات أو الرموز الأخلاقية.
ومن هنا، فإنّ التهجّم على البابا لا يُختزل في خلافٍ سياسي عابر، بل يكشف نزعةً أعمق تسعى إلى تطويع حتى أكثر المرجعيات استقلالاً، وكأنّ المطلوب كسر أي صوتٍ لا ينخرط في منطق الاصطفاف. فحين يُستهدف موقع البابوية، فإنّ الاستهداف يتجاوز الشخص إلى الفكرة: فكرة وجود مرجعيةٍ ترفض الخضوع وشعوبٍ تأبى الركوع.
خطورة هذه المنهجية أنّها لا تكتفي بإعادة تعريف السياسة، بل تحاول إعادة تعريف العالم على قاعدة واحدة: لا صوت يعلو فوق منطق السيطرة. أمّا المرجعيات الأخلاقية، فيُراد لها أن تتحوَّل إلى أدوات، أو أن تُدفع إلى الهامش إن استعصت على التدجين.
في المقابل، يبقى الموقف الكنسي شاهداً على أنّ الإنسان لا يُقاس بميزان القوّة وحده، وأنّ هناك مساحةً يجب أن تبقى خارج الترويض السياسي، حيث يُقال ما يجب أن يُقال باسم الضمير، لا باسم الاسترضاء والخضوع والخنوع.
وهكذا، لا يعود السجال مجرّد خلافٍ بين طرفَين، بل مواجهة بين منطقَين: منطقٍ يسعى إلى إخضاع كلّ شيء، ومنطقٍ يُصرّ على إبقاء حدودٍ لا تُمسّ، لكرامة الإنسان وضميره وحقّه في العيش بحرّية.
ولتكتمل صورة الانفلات، نشر ترامب على حسابه في «إكس» صورةً له متقمّصاً هيئة السيّد المسيح: نورٌ في يسراه، ويده اليمنى تبثّ الشفاء في الأرض. أيّ تشويهٍ هذا؟ وأيّ تجرّؤ على المعنى والقيمة؟ وكأنّ صاحبها انتقل من منطق فرض الهيمنة واستلاب الثروات بالبطش إلى حالةٍ أكثر تفلّتاً، يُلامس فيها جنون العظمة حدّ الادّعاء الصريح : «أنا ربّكم الأعلى فاعبدون».
والمفارقة الصارخة لا تكمن فقط في هذا الانتفاخ، بل في التناقض بين هذه الصورة «الخلاصية» وما تختزنه شخصية المنتحل من «أبستينيّة» وعدوانية، المسيحية وقيمها بريئتان منها كلّ البراءة، تجعل بين المذكور والسيّد المسيح سنوات ضوئية.
يشبّه نفسه بالمسيح – يقول أحد الأصدقاء مستنكراً – ثم يضيف بمرارة: لو كان المسيح بيننا اليوم، لسعى إلى صلبه من جديد!
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package