
كتب حسين زلغوط في موقع “رأي سياسي”:
في بلد مثل لبنان، يكفي تسريب أو تداول خبر غير مؤكد ليفتح أبواب القلق على مصراعيها. هكذا كان المشهد في الساعات الماضية، مع انتشار معلومات تتحدث عن احتمال وصول سعر صرف الدولار في لبنان إلى 300 ألف ليرة كمرحلة أولى، قبل أن يقفز إلى حدود 500 ألف ليرة، ما أثار حالة ذعر واسعة بين اللبنانيين الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة ضغوط اقتصادية غير مسبوقة.
هذا النوع من الأخبار لا يمرّ مرور الكرام في بلد يعيش وضعاً نقدياً هشاً، حيث فقدت العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها خلال السنوات الماضية، وباتت الثقة بالمنظومة المالية في أدنى مستوياتها. فالمواطن الذي خبر الانهيار التدريجي، يتعامل مع أي توقعات سوداوية على أنها سيناريو محتمل، لا مجرد شائعة عابرة.
في المقابل، جاء رد مصرف لبنان ليحاول احتواء هذا القلق، مؤكداً أن أولوياته واضحة وثابتة، وفي مقدمتها الحفاظ على الاستقرار النقدي، والعمل على إعادة الودائع وفق آليات قانون الانتظام المالي، إلى جانب استعادة عافية القطاع المصرفي وتعزيز المالية العامة للدولة. هذا الموقف يعكس إدراكاً رسمياً لخطورة الانفلات في التوقعات، لما لذلك من تأثير مباشر على سلوك السوق.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي النفي الرسمي لطمأنة الأسواق؟ التجربة اللبنانية في السنوات الأخيرة تشير إلى أن الثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل تحتاج إلى سياسات واضحة وإجراءات ملموسة. فاستقرار سعر الصرف يرتبط بعوامل عدة، أبرزها حجم الكتلة النقدية بالليرة، ومستوى الاحتياطات بالعملات الأجنبية، إضافة إلى قدرة الدولة على ضبط العجز المالي ووقف النزيف في المالية العامة.
من هنا، فإن أي حديث عن أرقام صادمة لسعر الدولار، سواء كان دقيقاً أم مبالغاً فيه، يجد أرضاً خصبة للانتشار في ظل غياب رؤية اقتصادية متكاملة. كما أن السوق السوداء تبقى ساحة مفتوحة للتقلبات، تتأثر بالشائعات بقدر تأثرها بالوقائع، ما يجعل الاستقرار النقدي مسألة دقيقة وحساسة.
من هنا، لا يمكن فصل هذا الجدل عن المسار العام للأزمة اللبنانية، فإعادة التوازن إلى سعر الصرف تتطلب إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي، وإقرار إصلاحات بنيوية تعيد الانتظام إلى المالية العامة، وتفتح الباب أمام تدفقات مالية خارجية. من دون ذلك، سيبقى أي استقرار عرضة للاهتزاز عند أول موجة قلق.
ومع أن مصرف لبنان يؤكد التزامه بثبات العملة الوطنية، فإن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذا الالتزام إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية. فالاستقرار الحقيقي لا يُقاس فقط بسعر الصرف، بل بقدرة الناس على التخطيط لمستقبلهم دون خوف من مفاجآت قاسية.
وبين الشائعات والوقائع، يبقى اللبنانيون أسرى معادلة معقدة: اقتصاد يحتاج إلى إصلاحات عميقة، وثقة مفقودة تبحث عن مؤشرات جدية لاستعادتها. وفي انتظار ذلك، سيظل أي خبر عن الدولار، مهما كان مصدره، قادراً على تحريك الهواجس في بلد اعتاد أن يعيش على وقع الأزمات.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package