
*كتب عبد الهادي محفوظ
الاتصالات الهاتفية التي أجراها الرئيس دونالد ترامب بزعماء دول المنطقة سواء في الخليج العربي وباكستان ومصر والأردن وتركيا وأبلغهم فيها عن مسودة “اتفاق النوايا” وإجماعهم على دعم فكرة إنهاء الحرب تثبت أن سيد البيت الأبيض يحتكم إلى ما يستشعره هو في قراءته للأمور لا إلى ما يريده غلاة التطرف في الحزب الجمهوري وإسرائيل والذين يعارضون الخيار الديبلوماسي. بكلام آخر الرئيس الأميركي يعطي الأولوية “للحاسة السادسة” ولمصالح فكرة أميركا أولا والتي كان تبناها كشعار لرئاسته.
وعندما كتب في تغريدة بأن مكالمته الهاتفية كانت “رائعة” مع نتنياهو فهو كان يقصد “روعتها” بالنسبة له لا إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية. ذلك أن هذه “الروعة” ترتبط بتصريح سابق له “أنا الذي يقرر في مسار التفاوض مع إيران لا نتنياهو”. وها هو يثبت ذلك فعليا وبالممارسة.
وواقع الحال “اعلان النوايا” ما كان ليكون إلا بعد أن اكتسبت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أبعادا إقليمية ودولية بعد فشلها في تحقيق أهدافها الأميركية-الإسرائيلية نتيجة صمود إيران وتحكّمها بمضيق هرمز واستخدامه كقوة تفجير نووية للاقتصاد العالمي وسوق النفط والبورصات والأسواق المالية والتحكّم بمياه الخليج وما هو أبعد منها ومنه. فتركيا ومصر وباكستان دول متضررة من كون نتنياهو يعتبر الحرب على إيران مدخلا لتوسيع جغرافية الدولة العبرية وتحويلها إلى قوة عظمى عالمية مهيمنة على شؤون المنطقة. وكانت مصر تعتبر نفسها الدولة المستهدفة مباشرة بعد إيران. وكذلك هي حال تركيا في سوريا وفي سياستها الإسلامية التي ترمي إلى توسيع نفوذها في المحيط. أما باكستان الدولة النووية فإن صمود إيران منحها ميزة أن تكون شبكة الأمان للدول الخليجية وصاحبة دور إقليمي مميز تحتاجه واشنطن وطهران على السواء. وهذا الدور الباكستاني تحوّل من “ناقل رسائل” بين العاصمتين إلى صائغ تقريب وجهات النظر بين المطالب المتعارضة للطرفين. كما نجح استتباعا في صياغة واقع جديد وهو إنهاء الطموح الإسرائيلي بتحويل الدولة العبرية إلى “قوة عظمى” وجعلها الخاسر الأول من التلاقي الأميركي-الإيراني في “إعلان النوايا” الذي كان توليفه الناجح من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير. وهذه الخسارة الإسرائيلية ستجد ترجمتها في تراجع اليمين الديني اليهودي ومعه نتنياهو في الداخل الإسرائيلي وفي اهتزاز الثقة للحكومة الإسرائيلية الحالية بالسياسات الأميركية في المنطقة والتي أعطى فيها الرئيس دونالد ترامب لسياسة أميركية-أميركية لا لسياسة أميركية-إسرائيلية.
وحقيقة الأمر أن قائد الجيش الباكستاني نجح إلى حدود بعيدة في بناء “جسور ثقة” بين إيران والرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كان يبحث عن “ورقة انتصار” له في هذه الحرب تعزز وضع مرشحيه في الحزب الجمهوري في الانتخابات الأميركية النصفية وتفتح باب الرئاسة في البيت الأبيض إلى نائبه جيه دي فانس الذي كان من المتحمسين في فريقه للخيار الديبلوماسي والذي هو رئيس الوفد الأميركي للتفاوض. كما تعطيه (أي لترامب) هامشا واسعا في رسم التوازنات في الشرق الأوسط مع دور إقليمي لإيران كانت انتزعته بفعل فشل الحرب عليها. وهي توازنات لا تكون بعيدة عنها موسكو وبكين بحيث أن النظام الدولي الجديد يقوم على شراكات بين الدول العظمى وإنما يبقى الفاعل الرئيسي فيها اللاعب الأميركي في المنظور القريب والمتوسط.
يدرك قائد الجيش الباكستاني عاصم منير بأن “الشيطان يقيم في التفاصيل”. ولذلك ترك هذه التفاصيل في معالجتها لوقت آخر. وإنما بعد تحديد ملامح الحل لها. وهي تفاصيل تخصيب اليورانيوم والتعويضات ورفع العقوبات والإفراج عن الودائع وإدارة مضيق هرمز. ومعالجة هذه التفاصيل إضافة إلى باكستان ستكون مشاركة الضامنين لها أي موسكو وبكين تحديدا وخصوصا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد نجح في رسم إطار لموضوع التخصيب النووي وفائضه ولاقى قبولا من الرئيس ترامب مبدئيا مع تحفظات مصحوبة باعتراض على إيداعه لدى موسكو وعلى نسبة التخصيب ومدة تجميده. أي أن هذه المسألة قابلة للحل مقابل مرونة إيرانية تعطي مكسبا ما للرئيس ترامب الذي كان قد أبطل الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في عام ٢٠١٥ مع الرئيس أوباما. وبالتالي هو يريد اتفاقا في موضوع التخصيب يكون أقل مما تم التوافق عليه مع أوباما. وهذه الحقيقة يعرفها جيدا وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي الذي كان شريكا في المفاوضات السابقة والحالية وهو شخص خبير بها كونه أستاذ يدرس مادة المفاوضات في جامعة طهران. وأما سائر النقاط العالقة بما فيها مضيق هرمز فمفتاحها الصين الحريصة على حرية الملاحة في مضيق هرمز وحقوق إيران في الآن معا.
*رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package