بقلم : د ٠ مريم عبد الواحد

هناك مشاهد لا تنتهي بانتهاء دقائقها، بل تترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي، لأنها تمس أكثر ما يحتاج إليه الإنسان: وهو الشعور بالأمان داخل أسرته!
وعندما يخرج العنف الأسري إلى العلن، فإنه لا يكشف عن أزمة فردية فحسب، بل يضع المجتمع أمام أسئلة صعبة تتعلق بالتربية، والثقافة، والقيم، وحدود المسؤولية. فالعنف لا يجرح الضحية وحدها، بل يترك ندوبًا في ضمير المجتمع بأكمله.
وبحسب ما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد شهد أحد مقاهي البقاع حادثة اعتداء يُقال إنها وقعت بين زوجين. دعوة يفترض أن تعيد المودة وترميم المكسور تحولت إلى مشهد صادم، أثار استنكارًا واسعًا، وأعاد إلى الواجهة قضية العنف الأسري حين يخرج من خلف الأبواب المغلقة إلى الفضاء العام.
مثل هذه المشاهد تدفعنا إلى التساؤل: هل أصبحنا نكتفي بالحكم على الأشخاص من خلال صورتهم العامة ومكانتهم الاجتماعية، بينما تبقى حقيقة سلوكهم في لحظات الغضب بعيدة عن الأنظار؟ فالأخلاق لا تُقاس بالمظهر، ولا بالمهنة، ولا بالمكانة، وإنما بكيفية احترام الإنسان لمن يشاركه الحياة خصوصًا عندما يكون هذا الآخر رفيق الصباح والمساء، وشريك اللحظات بحلوها ومرها، وأمانة أوصت بها الأديان. .
إلى متى سيعاني مجتمعنا من العنف بكل أشكاله تحت ذرائع مختلفة، تُستخدم لتبرير ما لا يمكن تبريره؟
وأكثر ما يرعب كل أم وأب هو الخوف من أن ترتبط ابنتهما بشخص لا تظهر حقيقته إلا بعد فوات الأوان. فالإنسان قد يبدو هادئًا ومتزنًا في نظر الجميع، لكن الاتزان الحقيقي يُختبر في لحظات الخلاف، والقوة الحقيقية تظهر في لحظات الغضب وتقبل الاختلاف دون خلاف ،والرجولة الحقيقية لا تجعل من القوة وسيلة لإثبات الذات وفرض الهيبةعلى الآخر ، خصوصًا عندما يكون هذا الآخر شريك الحياة وأمانة أوصت بها الأديان والقيم الإنسانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى سيبقى هناك من يدافع عن المعتدي، ويبحث له عن المبررات، ويحمّل الضحية جزءًا من المسؤولية تحت ذرائع واهية؟ إن تبرير العنف هو شكل آخر من أشكال المشاركة في استمراره، لأنه يمنح المعتدي شعورًا بالإفلات من المحاسبة، ويشجع على تكرار السلوك ذاته.
لا يوجد خلاف، ولا غضب، ولا استفزاز، ولا أي ظرف يمنح إنسانًا الحق في إهانة إنسان آخر أو الاعتداء على كرامته أو جسده، لا في العلن ولا في الخفاء. فالخلاف يُعالج بالحوار، أو بالتفاهم، أو بالاحتكام إلى القانون، وليس بالضرب أو الإذلال. ومن يصمت عن العنف أو يبرره يساهم، بقصد أو بغير قصد، في ترسيخ ثقافة تجعل القوة بديلًا عن العقل، والخوف بديلًا عن الاحترام.
وفي مقابل هذا المشهد المؤلم، برز موقف مشرّف يستحق التقدير، تمثل في تدخل عدد من الحاضرين من أبناء البقاع لحماية المرأة ورفض العنف كما نقلت بعض الصفحات. كما أن تدخل القوى الأمنية، وفق ما تم تداوله، لنقل القضية إلى الجهات المختصة، يمثل خطوة مهمة في تأكيد أن معالجة مثل هذه الوقائع يجب أن تتم عبر القانون، وبما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
ويبقى الأمل أن يتحول هذا الرفض الشعبي إلى وعي مجتمعي راسخ، يؤمن بأن كرامة الإنسان خط أحمر، وأن العنف ليس وجهة نظر، ولا وسيلة للتربية، ولا حقًا يمنحه الجنس أو السلطة أو المكانة الاجتماعية. فلا ينبغي أن يتحول العنف الأسري إلى خبر عابر، فكل حادثة من هذا النوع هي دعوة لمراجعة مفاهيمنا حول التربية، والرجولة، واحترام المرأة، وسيادة القانون. فلا مجتمع ينهض إذا بقيت الكرامة الإنسانية تُهان خلف ستار “الخلافات العائلية”، ويبقى الفصل في الوقائع والمسؤوليات من اختصاص القضاء، بينما يبقى رفض العنف بكل أشكاله مسؤولية المجتمع بأسره.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package