
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في صحيفة الجمهورية:
في الثالث والعشرين من آب 1982، انتُخِب بشير الجميل رئيساً للجمهورية. قيلَ الكثير في هذا الانتخاب من قِبل مؤيّديه الذين رأوا فيه محرِّراً للبنان ومنقذاً، وذا طاقة شابة ولّادة لديناميات تؤسس لدولة الجدارة (meritocratie)، ومن معارضي وصوله الذين اعتبروه يمثل مشروعاً خارجياً، يربط لبنان بالتزامات ومعاهدات لا تصُبّ في المصلحة الوطنية العليا للبلاد.
كان واضحاً أنّ لبنان في زمن بشير، والحرب في أوجها، كان ينؤ تحت وطأة مشروعَين متعارضَين، متتاقضَين، وجاء انتخاب الابن الأصغر لأول رئيس لـ«حزب الكتائب اللبنانية»، بيار الجميل، ليؤكّد هزيمة محور في مواجهة محور آخر. لم تكن ثنائية واشنطن – موسكو قد تهافتت لمصلحة أحادية القطب، ما شرَّع الباب أمام تجاذبات دولية – إقليمية تُكتَب بالنار والدم.
وفي مناسبة انتخاب بشير، دعا نجله النائب نديم محاطاً بوالدته صولانج وشقيقته يمنى، إلى لقاء عائلي في دارة الرئيس الراحل في بكفيا، ضمّ رفاق والده الذين واكبوه في مرحلة نضاله الوطني، وسطوع نجمه، وكانوا من أعوانه المخلصين. استظلّوا في هذا اللقاء أشجاراً دهرية وارفة، وتوزَّعوا على مقاعد خشبية، واستمعوا إلى أغنيات تذكّر ببشير الظاهرة التي قلبت الطاولة على الزعامات التقليدية، ونفحت في الحياة السياسية روحاً شبابية. مَن حضر تقادم به العمر. منهم مَن ظلّ «متمترِّساً» بـ«حزب الكتائب» ولم يبدِّل، ومنهم مَن لا يزال في «حزب القوات اللبنانية» ويشغل مواقع رفيعة فيه، وهناك ثلة من رفاق إيلي حبيقة، وهناك أيضاً مَن اختار أن يكون مستقلاً، فابتعد من دون أن يقطع حبل الموَدّة والتواصل مع رفاق الأمس.
وبعد شهادات من أكثر من رفيق عن مرحلة صعود «البشيرية»، استمع إليها الرئيس السابق لـ«حزب الكتائب» والنائب السابق لـ«قائد القوات اللبنانية»، المحامي كريم بقرادوني، بشغف، كانت كلمة وجدانية لنديم، ابتعدت عن السياسة اليومية وتفصيلاتها، ولم تتطرَّق إلى أحداث الساعة، حيّا فيها رفاق بشير، وعاهدهم استمرار التلاقي على القِيَم التي جسّدتها مسيرة الرئيس الذي قضى اغتيالاً.
وفي عود إلى ذكرى الانتخاب لا بُدّ من القول بعيداً من الصراعات الدولية والإقليمية التي أحاطت وصول بشير الجميّل إلى الرئاسة الأولى، إنّ الرئيس المنتَخَب شكّل علامةً فارقة عن الرؤساء الذين سبقوه إلى هذا المنصب أو خلفوه عليه. وهذا ما يفسّر شعور شريحة كبيرة من المواطنين من كل الطوائف والمواقع والمناطق بالصدمة العميقة لرحيله بتلك الطريقة المفجعة، واعتبار غيابه خسارة وطنية كبيرة. وتستند هذه الشريحة في تبرير موقفها إلى الآتي:
أ- إيمانه بلبنان الـ10452 كيلومتراً مربّعاً من دون زيادة أو نقصان.
ب- وحدة مؤسسات الدولة وتحديثها، واعتماد قاعدة الثواب والعقاب في الإدارة، وهذا ما انعكس انتظاماً للعمل فيها غداة انتخابه رئيساً.
ج- إيمانه المطلق بالعيش الواحد وانفتاحه على الشريك في الوطن، وإعلان رغبته في حوار مفتوح وبنّاء يؤسس لمصالحة تاريخية، ويحقق التوازن. وهو ما حفّزه على المشاركة في لقاءات الحوار التي دعا إليها الرئيس إلياس سركيس، واجتماعه بالرئيس صائب سلام. من دون إغفال الحوارات المختلفة التي عقدها مع قادة المقاومة الفلسطينية لتجنّب كارثة كانت تلوح في الأفق. وكذلك اللقاء الذي جمعه مع الزعيم كمال جنبلاط في العام 1976 على إثر اغتيال شقيقة الأخير في بدارو، وقبيل دخول القوات السورية إلى لبنان. تاريخ
د- كان أول ما سيفعله بشير الجميّل، منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى قصر بعبدا وتسلّمه مهماته الدستورية، هو دعوته إلى حل التنظيمات العسكرية غير الخاضعة لشرعية الدولة جميعها، بدءاً من «القوات اللبنانية»، وهو أمر موثَّق وبات معروفاً. وذلك بغرض بناء جيش موحَّد وقوي، يقوم بأعباء الدفاع عن الوطن، ولا يستبقي على أرضه إلّا سلاح الشرعية اللبنانية. معلناً استعداده استيعاب الجميع في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.
هـ- وثوقه التام بالطاقة الاغترابية، والقدرة على توظيف قدرات الانتشار اللبناني في العالم في التنمية المستدامة والمتوازنة بين المناطق، وذلك بهدف توطيد دعائم الاقتصاد الوطني، والحد من الهجرة وربط اللبناني بأرضه، وبناء علاقة عضوية وتفاعلية بين شطرَي الوطن، وتمتين الصلات بين المنتشرين على قاعدة الولاء للوطن الأم ليس على المستوى العاطفي فحسب، بل على مستوى تعميق المصالح الحيوية وتبادلها، لما فيه خير الطرفَين وتقدُّم الوطن.
هل كان انتخاب بشير الجميّل خطوة صحيحة في الزمن الخطأ؟ أو أنّه استعجل الوصول إلى رئاسة يستحقها، والأجدر به انتظار التوقيت المناسب؟ هل كان ترشيحه مغامرة، أو قدَراً لا بُدّ من السَير فيه مستقيماً بين الخطوط المتعرِّجة؟
أياً تكن الأسئلة والإجابات عنها، فإنّ المصير المفجع الذي أودى ببشير، لم يمنحه الفرصة، بل القدرة على تحقيق ما حلم به. وبالتالي، فإنّ الحكم يكون على أداء الـ21 يوماً التي سبقت اغتياله الآثم. وإذا كان المكتوب يُقرَأ من عنوانه، فإنّ الرئيس السابع لدولة الاستقلال، وبناءً على ما شهده اللبنانيّون من أدائه، يدفع إلى القول إنّ لبنان، باغتيال بشير، فَقَد فرصة كان يمكن أن تختصر آلامه، وتحصِّنه من أي اهتزاز، وتقطع الطريق على المآسي التي واجهها غداة رحيله المروِّع.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package