
بقلم المحامي عمر زين
الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو أحد أهم الأدوات التي تساهم في تشكيل وعي المجتمع وتحديد طريقة فهمه للأحداث والأشخاص والصراعات. ولذلك فإن دخول التطبيع إلى الإعلام قد يكون من أخطر أشكال التطبيع، لأنه لا يستهدف العلاقات الرسمية فقط، وإنما يستهدف الرأي العام وطريقة رؤية الإنسان للآخر وللقضية وللتاريخ.
فماذا يعني التطبيع في الإعلام؟ وما الذي يُستهدف من خلاله؟ وكيف تتم هذه العملية؟
ماذا يعني التطبيع في الإعلام؟
التطبيع الإعلامي يعني تقديم العلاقة مع طرف كان يُنظر إليه باعتباره خصماً أو قوة احتلال أو طرفاً في صراع، بصورة تجعله يبدو طرفاً طبيعياً ومألوفاً في المشهد الإعلامي.
وقد يبدأ ذلك من مجرد ظهوره في وسائل الإعلام بصورة متكررة، ثم الانتقال إلى إجراء المقابلات معه، واستضافته، ونشر أخباره بصورة طبيعية، وصولاً إلى التعاون الإعلامي وإنتاج البرامج والأعمال المشتركة.
ولا يعني ذلك أن كل خبر عن الطرف الآخر أو كل حوار معه هو تطبيع بالضرورة؛ فالإعلام المهني يحتاج إلى نقل الأخبار وطرح الآراء المختلفة.
لكن التطبيع الإعلامي يظهر عندما يتحول الإعلام إلى وسيلة لتغيير صورة الطرف الآخر، أو تهميش تاريخ الصراع، أو تبرير الاحتلال، أو إلغاء حقوق الضحية من الرواية الإعلامية.
ماذا يُستهدف في الإعلام؟
أول ما يستهدفه التطبيع الإعلامي هو الرأي العام.
فالإعلام قادر على نقل قضية من دائرة الرفض إلى دائرة القبول، أو من دائرة الاهتمام إلى دائرة النسيان، من خلال طريقة التغطية وحجم الاهتمام وتكرار الموضوع.
ويُستهدف أيضاً اللغة والمصطلحات.
فالكلمات ليست محايدة دائماً. اختيار كلمة «احتلال» أو «نزاع»، و«ضحية» أو «طرف»، و«مقاومة» أو «عنف»، يمكن أن يغير طريقة فهم القارئ أو المشاهد للحدث.
كما تُستهدف الصورة، لأن الصورة قد تكون أقوى من مئات الكلمات. ويمكن لصورة واحدة أن تقدم طرفاً بصورة إنسانية، بينما تختفي من المشهد صور الضحايا والدمار والتهجير.
ومن المجالات المستهدفة كذلك التاريخ والذاكرة، من خلال التركيز على أحداث معينة وإهمال أحداث أخرى، أو تقديم رواية واحدة للصراع وكأنها الحقيقة الوحيدة.
وقد يستهدف التطبيع أيضاً الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية من خلال المؤتمرات والزيارات والتدريب والتعاون وإنتاج البرامج المشتركة.
كيف تتم عملية التطبيع الإعلامي؟
غالباً لا تبدأ العملية بصورة مباشرة، وإنما تتدرج.
قد تبدأ بتغطية إعلامية عادية، ثم تزداد اللقاءات والمقابلات مع شخصيات من الطرف الآخر، ثم تصبح استضافته أمراً معتاداً.
بعد ذلك يمكن أن تنتقل العلاقة إلى التعاون الإعلامي، كإنتاج برامج مشتركة أو تبادل صحفيين أو إقامة مؤتمرات وندوات مشتركة.
ثم تتوسع إلى وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تصبح الرسائل أكثر سرعة وانتشاراً وتأثيراً.
وبمرور الوقت، يعتاد الجمهور على حضور الطرف الآخر في الإعلام، وتصبح العلاقة معه مألوفة، حتى من دون أن يشعر بأن موقفه تجاهه قد تغير.
وهنا تكمن قوة التطبيع الإعلامي: أنه لا يفرض دائماً موقفاً جديداً، بل يكرر صورة جديدة حتى تصبح مألوفة.
تغيير المصطلحات… تغيير الصورة
من أخطر وسائل التطبيع الإعلامي تغيير المفردات.
فعندما يتغير المصطلح المستخدم لوصف الحدث، قد تتغير معه طريقة فهم الحدث.
وقد يؤدي الاستخدام المستمر لمصطلحات معينة إلى إبعاد مفاهيم الاحتلال والتهجير والحقوق التاريخية عن النقاش، واستبدالها بلغة تبدو محايدة، لكنها قد تخفي خلفها حقيقة الصراع.
وهنا تصبح المعركة ليست فقط على الخبر، بل على الكلمة التي نصف بها الخبر.
التطبيع عبر الترفيه والإعلام غير السياسي
التطبيع لا يحدث فقط في نشرات الأخبار والبرامج السياسية.
فقد يدخل عبر الدراما والسينما والبرامج الترفيهية والإعلانات والمقابلات الفنية والرياضة والمحتوى الرقمي.
فعندما يظهر الطرف الآخر بصورة متكررة في الحياة الإعلامية والثقافية والترفيهية، بعيداً عن أي سياق سياسي أو تاريخي، قد يصبح وجوده مألوفاً لدى الجمهور.
وهنا تتحول الشاشة إلى مساحة للتطبيع اليومي.
وسائل التواصل الاجتماعي
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من أهم ساحات التأثير الإعلامي.
فالرسالة لم تعد تحتاج إلى صحيفة أو محطة تلفزيون حتى تصل إلى الملايين. صورة أو فيديو أو منشور قصير يمكن أن ينتشر خلال ساعات.
ولهذا يمكن استخدام وسائل التواصل في تقديم صورة إيجابية عن طرف معين، أو إعادة نشر رواية معينة، أو إغراق الجمهور بمحتوى يجعل القضية الأساسية تتراجع أمام مواضيع أخرى.
لكن وسائل التواصل يمكن في الوقت نفسه أن تكون وسيلة لمواجهة التطبيع، من خلال توثيق الحقائق وحفظ الذاكرة ونشر الروايات التي قد يتم تجاهلها في وسائل الإعلام التقليدية.
كيف نواجه التطبيع الإعلامي؟
المواجهة لا تعني إلغاء الإعلام أو رفض الرأي الآخر، وإنما تعني الحفاظ على المهنية والموضوعية والوعي بالسياق التاريخي والقانوني.
ويجب على الإعلام أن يفرق بين نقل الخبر وبين تبييض الانتهاك، وبين الحوار وبين منح الشرعية لرواية أحادية.
كما ينبغي الحفاظ على المصطلحات الدقيقة، وعدم حذف الضحية من الخبر، وعدم تحويل الاحتلال أو التهجير إلى مجرد «خلاف سياسي»، وعدم السماح للصورة بأن تحل محل الحقيقة.
إن الإعلام يستطيع أن يصنع صورة جديدة للواقع من خلال التكرار والانتقاء واللغة والصورة.
ولهذا فإن التطبيع الإعلامي قد يبدأ من خبر، ثم مقابلة، ثم صورة، ثم برنامج، ثم تعاون إعلامي، ثم يصبح حضور الطرف الآخر أمراً عادياً في حياة الجمهور.
وهنا يجب أن نتذكر أن التطبيع لا يغير الواقع وحده؛ بل قد يبدأ أولاً بتغيير طريقة رؤيتنا للواقع.
فمن يملك الإعلام لا يملك الحقيقة بالضرورة، لكنه يملك قدرة كبيرة على تحديد ما يراه الناس، وكيف يرونه، وما الذي يتذكرونه وما الذي ينسونه.
ولهذا فإن حماية الإعلام من التطبيع لا تعني الانغلاق، وإنما تعني حماية الحقيقة من التزييف، والذاكرة من المحو، والرأي العام من التلاعب.
فقد تبدأ عملية التطبيع بتغيير كلمة في خبر، وتنتهي بتغيير صورة كاملة في وعي مجتمع.
هذا يستدعي منا مقاومةٌ لمنع أي اختراق إعلامي لشعبنا.
أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package