التطبيع التربوي… عندما يبدأ تغيير الوعي من المدرسة

بقلم المحامي عمر زين*
التربية ليست مجرد تعليم القراءة والكتابة والعلوم، وإنما هي عملية بناء للإنسان وتكوين لشخصيته ووعيه وقيمه ونظرته إلى التاريخ والمجتمع والآخر. ولهذا فإن دخول التطبيع إلى المجال التربوي يحمل خطورة خاصة، لأنه لا يستهدف موقف الإنسان في لحظة معينة، بل يمكن أن يستهدف الجيل الذي سيصنع المستقبل.
فماذا يعني التطبيع في التربية؟ وماذا يستهدف؟ وكيف يمكن أن تتم هذه العملية؟
ماذا يعني التطبيع في التربية؟
التطبيع التربوي يعني إدخال العلاقة مع طرف كان يُنظر إليه باعتباره خصماً أو قوة احتلال أو طرفاً في صراع، إلى البيئة التربوية والتعليمية بصورة تجعل هذه العلاقة تبدو طبيعية ومقبولة لدى الأطفال والطلاب.
ولا يعني ذلك أن كل تواصل تربوي أو تعليمي مع الآخر هو تطبيع بالضرورة؛ فالتبادل المعرفي والتربوي بين الشعوب يمكن أن يكون مفيداً ومشروعاً.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التربية إلى وسيلة لتغيير صورة الصراع، أو محو الذاكرة، أو تهميش حقوق شعب، أو تقديم الاحتلال باعتباره واقعاً طبيعياً لا يحتاج إلى نقاش.
ماذا يُستهدف في التربية؟
أول ما يمكن أن يستهدفه التطبيع التربوي هو الطفل والطالب، لأنهما في مرحلة بناء الشخصية وتكوين المفاهيم.
ثم يأتي التاريخ، من خلال طريقة عرض الأحداث، وما يتم التركيز عليه وما يتم تجاهله. فحذف أحداث أساسية أو تقديم رواية واحدة للتاريخ يمكن أن يؤدي إلى تغيير فهم الأجيال لما جرى.
ويُستهدف أيضاً الهوية والقيم؛ فالمدرسة لا تعلّم المعلومات فقط، وإنما تنقل مفاهيم الانتماء والعدالة والحرية والكرامة والحق.
كما يمكن أن تستهدف العملية الكتب المدرسية والمراجع التعليمية، من خلال تغيير المصطلحات أو الخرائط أو الصور أو طريقة وصف الشخصيات والأحداث والأماكن.
وقد يكون المعلم جزءاً من هذه العملية، ليس بالضرورة بصورة مباشرة، وإنما من خلال البرامج التدريبية والمناهج والأساليب التي تحدد طريقة تقديم موضوعات معينة للطلاب.
كذلك يمكن أن تدخل الأنشطة المدرسية والرحلات والتبادل الطلابي والمسابقات والمشاريع المشتركة في عملية التطبيع إذا استخدمت لتقديم علاقة سياسية معينة باعتبارها علاقة طبيعية، مع تجاهل خلفيتها التاريخية.
كيف تتم عملية التطبيع التربوي؟
التطبيع التربوي غالباً لا يأتي بصورة مباشرة أو معلنة، وإنما يتم تدريجياً.
قد يبدأ ببرامج تبادل طلابي أو تدريبي، ثم مشاريع تعليمية مشتركة، أو مسابقات وفعاليات، أو شراكات بين مؤسسات تعليمية.
ثم يمكن أن ينتقل إلى الكتب والمواد التعليمية والمنصات الرقمية والبرامج التدريبية.
ومع الوقت تصبح العلاقة الجديدة جزءاً من البيئة التعليمية اليومية، فيعتاد الطالب على وجود الطرف الآخر في عالمه التربوي، من دون أن يترافق ذلك بالضرورة مع معرفة كافية بتاريخ الصراع أو حقوق الأطراف.
وهنا تكمن خطورة التطبيع التربوي: أنه قد يبدأ كنشاط تعليمي وينتهي بتغيير طريقة التفكير.
المناهج والكتب… أخطر الأدوات
المناهج ليست مجرد صفحات دراسية؛ إنها إحدى أهم الوسائل التي تتشكل من خلالها ذاكرة الأجيال.
فإذا تغيرت أسماء المدن والمناطق، أو جرى حذف أحداث تاريخية، أو تم تجاهل شعب من تاريخ منطقة معينة، فإن الطالب سيكبر وهو يحمل صورة مختلفة عن الماضي.
وقد يحدث التطبيع أيضاً من خلال استخدام لغة محايدة في مواضع تحتاج إلى توضيح تاريخي وقانوني، بحيث يتم تقديم الاحتلال أو الصراع وكأنه مجرد اختلاف عادي بين طرفين.
إن المشكلة ليست فقط في ما يكتب في الكتاب المدرسي، وإنما أيضاً في ما يُحذف منه.
الأنشطة والتبادل التربوي
قد تكون الرحلات والأنشطة والتبادل الطلابي وسائل ممتازة للتعارف بين الشعوب إذا قامت على المعرفة والاحترام.
لكنها قد تتحول إلى أدوات للتطبيع عندما يُطلب من الطالب أن يتعرف إلى الطرف الآخر بعيداً عن تاريخ الصراع وحقوق الشعوب، فيتعامل معه باعتباره شريكاً طبيعياً قبل أن يتعرف إلى حقيقة العلاقة القائمة.
فالمطلوب ليس عزل الطالب عن العالم، وإنما أن يعرف العالم كما هو، لا كما يراد له أن يراه.
التطبيع يبدأ من الجيل الجديد
التطبيع السياسي قد يغير موقف حكومة، والتطبيع الاقتصادي قد يغير طبيعة السوق، لكن التطبيع التربوي يستطيع أن يغير طريقة تفكير جيل كامل.
وهنا تكمن خطورته.
فالطالب الذي يتعلم منذ الصغر أن قضية معينة ليست مهمة، أو أن تاريخاً معيناً لا يستحق المعرفة، أو أن واقعاً سياسياً يجب اعتباره أمراً طبيعياً، قد يحمل هذه الأفكار معه عندما يصبح معلماً أو إعلامياً أو مسؤولاً أو صاحب قرار.
وهكذا تنتقل عملية التطبيع من المدرسة إلى المجتمع.
كيف نواجه التطبيع التربوي؟
المواجهة لا تعني إغلاق المدارس أمام العالم أو رفض التعاون التعليمي، بل تعني حماية استقلال التربية وموضوعية التعليم.
ويكون ذلك من خلال الحفاظ على التاريخ والذاكرة، ومراجعة المناهج بصورة علمية، وعدم حذف الحقائق الأساسية، وتعليم الطلاب التفكير النقدي، وتعريفهم بحقوق الإنسان والقانون والعدالة، وتشجيع الحوار القائم على المعرفة لا على محو الفوارق والحقائق.
كما يجب أن يكون أي تعاون تربوي قائماً على الندية والاحترام المتبادل، وألا يتحول إلى وسيلة لفرض رواية سياسية أو تاريخية واحدة.
إن المدرسة ليست مكاناً لنقل المعلومات فقط؛ إنها المكان الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان الأولى.
ولهذا فإن المعركة على التربية هي في جانب كبير منها معركة على المستقبل.
فالتطبيع لا يبدأ دائماً باتفاق سياسي، وقد لا يأتي في صورة قرار رسمي؛ فقد يبدأ من كتاب مدرسي، أو نشاط طلابي، أو رحلة، أو برنامج تبادل، أو مادة تعليمية، أو صورة، أو مصطلح يتكرر أمام الطالب.
وإذا كان الهدف من التربية أن تصنع إنساناً واعياً، فإن الوعي الحقيقي لا يقوم على الكراهية ولا على إلغاء الآخر، لكنه أيضاً لا يقوم على نسيان التاريخ أو تجاهل الحقوق أو تحويل الواقع المفروض إلى حقيقة طبيعية.
فمن يملك المدرسة، يساهم في صناعة الوعي؛ ومن يساهم في صناعة الوعي، يساهم في صناعة المستقبل.
أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.