أخبار عاجلة

أزمة الطاقة في لبنان.. هل تفتح الطريق أمام «الثورة الخضراء الثانية»؟

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت
في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية التي تهدد أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: ارتفاع كلفة الوقود المستورد من جهة، وفرصة تسريع الاعتماد على الطاقة المتجددة من جهة أخرى.
ويُعدّ لبنان من أكثر الاقتصادات تأثرًا بصدمات الطاقة العالمية، نتيجة اعتماده شبه الكامل على الوقود الأحفوري المستورد، وضعف شبكة الكهرباء، وتراجع قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين التغذية بصورة مستقرة منذ الانهيار المالي عام 2019.
النفط المرتفع يعزز جاذبية الطاقة الشمسية
تؤكد التجارب العالمية أن اضطراب أسعار النفط والغاز يدفع الاقتصادات المستوردة للطاقة إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا. وقد تسارع عالميًا الاستثمار في الطاقة النظيفة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الكهرباء بالبطاريات.
وبلغت القدرة العالمية للطاقة المتجددة نحو 4,448 جيغاواط عام 2024، بعد إضافة قياسية بلغت 585 جيغاواط خلال عام واحد، استحوذت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نحو 96.6 في المئة منها.
أما في الشرق الأوسط، فبلغت الإضافات الجديدة من الطاقة المتجددة نحو 4 جيغاواط عام 2024، فيما ارتفعت حصة الطاقة المتجددة من إجمالي قدرات توليد الكهرباء في المنطقة من 10.2 إلى 11 في المئة.
وتكتسب الطاقة الشمسية أهمية خاصة في المنطقة بفضل معدلات الإشعاع الشمسي المرتفعة، فيما تتفاوت سرعة التحول بين دولة وأخرى تبعًا للظروف الاقتصادية والمؤسساتية والجيوسياسية.
لبنان.. أزمة 2019 صنعت سوقًا جديدة
شكّلت أزمة الكهرباء والانهيار المالي عام 2019 نقطة تحول في قطاع الطاقة اللبناني. فمع تراجع قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين التغذية، وارتفاع كلفة مولدات الأحياء، اتجهت الأسر والمؤسسات والشركات والمستشفيات والبلديات بصورة متزايدة إلى أنظمة الطاقة الشمسية اللامركزية.
وبين عامي 2010 و2020 ارتفعت القدرة المركبة للطاقة الشمسية في لبنان من صفر إلى نحو 92.3 ميغاواط. ثم شهد القطاع قفزة كبيرة بين 2020 و2022، قبل أن تتجاوز القدرة التراكمية للمنشآت الشمسية 1,200 ميغاواط بنهاية عام 2024.
وتتضمن نسبة كبيرة من هذه الأنظمة بطاريات لتخزين الكهرباء، ما جعل الطاقة الشمسية حلًا عمليًا لتأمين التغذية خلال فترات انقطاع الكهرباء، وتقليص الاعتماد على مولدات الديزل.
وبحلول نهاية عام 2023، كانت الطاقة الشمسية الكهروضوئية تؤمّن ما بين 15 و20 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في لبنان، في مؤشر إلى التحول المتسارع في طبيعة سوق الطاقة المحلية.
من شبكة مركزية إلى منظومة لامركزية
إلا أن هذا النمو لا يعني أن لبنان أنجز انتقاله إلى الطاقة المتجددة. فأغلبية الأنظمة الشمسية تعمل بصورة مستقلة عن الشبكة الوطنية أو ضمن أنظمة هجينة، في ظل ضعف البنية التحتية وغياب التنسيق الكافي مع مؤسسة كهرباء لبنان.
وقد أدى ذلك إلى نشوء منظومة كهرباء مجزأة تضم تغذية محدودة من المؤسسة، ومولدات خاصة، وأنظمة شمسية وبطاريات موزعة على المنازل والمؤسسات.
هذا النمو عزز قدرة المستهلكين على الصمود، لكنه في المقابل حدّ من إمكانية الاستفادة من الطاقة المتجددة ضمن منظومة وطنية متكاملة، بسبب ضعف الشبكة وارتفاع خسائرها الفنية ومحدودية قدرتها على استيعاب الإنتاج اللامركزي.
مؤسسة كهرباء لبنان أمام اختبار جديد
تزيد اضطرابات أسواق النفط الضغوط على مؤسسة كهرباء لبنان، التي تعتمد بصورة أساسية على الوقود المستورد لتوليد الكهرباء. فأي ارتفاع كبير في أسعار النفط ينعكس سريعًا على كلفة الإنتاج، في وقت تعاني فيه المؤسسة أصلًا تحديات مالية وتشغيلية كبيرة.
كما أن انشغال المؤسسة بإدارة أزمة التغذية اليومية يحدّ من قدرتها على التخطيط لمشاريع طويلة الأجل وتحديث الشبكة، وهو ما يشكل أحد أبرز العوائق أمام الانتقال المنظم إلى الطاقة المتجددة.
في المقابل، يشكل تفعيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء تطورًا يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات جديدة، ولا سيما في مشاريع الطاقة المتجددة، إذا ترافق مع إصلاح الشبكة ووضوح الإطار التنظيمي وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
هل نشهد «الثورة الخضراء الثانية»؟
في حال استمر ارتفاع أسعار النفط، وخصوصًا إذا وصل سعر البرميل إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار، قد تصبح الطاقة الشمسية أكثر جاذبية اقتصاديًا للمستهلك اللبناني، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة مولدات الأحياء والاعتماد على الوقود المستورد.
ومن هنا تبرز إمكانية حدوث ما يمكن وصفه بـ «الثورة الثانية للطاقة الخضراء» في لبنان، بعد الطفرة التي شهدها القطاع عقب أزمة 2019.
لكن هذه الفرصة لا تخلو من المخاطر. فارتفاع أسعار النفط يشجع الاستثمار في الطاقة الشمسية، لكنه في الوقت نفسه يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويصعّب الوصول إلى التمويل اللازم لشراء وتركيب الأنظمة.
لذلك، فإن مستقبل القطاع سيبقى مرتبطًا بثلاثة عوامل أساسية: استقرار الاقتصاد الكلي، وضوح الإطار التنظيمي، وتوفير التمويل والاستثمارات.
وبحسب الخطة الوطنية للعمل في مجال الطاقة المتجددة 2025–2030، يستهدف لبنان الوصول إلى نحو 5,700 ميغاواط من القدرة التراكمية للطاقة المتجددة بحلول عام 2030، من بينها نحو 3,000 ميغاواط من الطاقة الشمسية.
وبذلك، قد تتحول أزمة الطاقة العالمية من عبء إضافي على الاقتصاد اللبناني إلى عامل يسرّع التحول نحو مصادر أكثر استدامة، شرط أن يتمكن لبنان من الانتقال من حلول فردية ومجزأة فرضتها الأزمة إلى سوق طاقة متجددة منظمة ومتكاملة قادرة على جذب الاستثمارات الخاصة.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.