
بقلم: محمد نور رحمن شيخ، سفير الهند لدى لبنان
عندما نتحدث عن التنمية، فإننا غالباً ما نتحدث بلغة الأرقام: الاستثمارات التي تم ضخها، أو البنية التحتية التي تم بناؤها، أو الأشخاص المتأثرين بها. ولكن بالنسبة للمواطن العادي، فإن التنمية أمر أكثر مباشرة. إنها تكمن في مدى فعالية الخدمة العامة، وفي قدرة الطفل على الحصول على تعليم جيد، وفي إمكانية حصول المريض على العلاج، أو في عثور الشاب على فرصة عمل أو نمو مهني.
هذا هو أحد الدروس التي تعلمتها الهند من مسيرتها التنموية الخاصة.
بالنسبة لبلد بحجم الهند وتنوعها، لا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع. ما حاولنا القيام به هو جعل الحوكمة أكثر استجابة للجمهور والخدمات العامة أكثر سهولة في الوصول إليها. وقد ساعدتنا التكنولوجيا بشكل متزايد على تحقيق ذلك، لا سيما من خلال تقريب الخدمات من المواطنين. لقد كانت البنية التحتية الرقمية العامة في الهند، بما في ذلك أدوات الشمول المالي التي أدت إلى أكثر من 500 مليون معاملة مالية يومياً، بمثابة نقطة تحول جوهرية في مسارها التنموي.
وإدراكاً منا بأن التكنولوجيا ليست سوى وسيلة، فقد اتخذنا خطوات لضمان أن المقياس الحقيقي للحوكمة الرشيدة هو مدى قدرتها على إحداث فارق ملموس في حياة الناس.
وهذا هو أيضاً النهج الذي تتبعه الهند في التعاون التنموي الدولي. فنحن لا ننظر إليه كعلاقة نفعية يمنح فيها بلد ويتلقى آخر. بل نراه كشراكة تتبادل فيها الدول الخبرات والتجارب والموارد، في حين يختار كل بلد ما يناسب ظروفه الخاصة.
وقد كان لبنان شريكاً مهماً في هذه المسيرة. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الهند ولبنان في عام 1954، ظلت السفارة الهندية في بيروت مفتوحة دائماً وعملت عن كثب مع الحكومة اللبنانية وشعبها.
ومن خلال برنامج التعاون الفني والاقتصادي الهندي (ITEC)، أتيحت للمسؤولين والمهنيين اللبنانيين فرص للتدريب في الهند وتبادل الخبرات مع نظرائهم الهنود. قد لا تتصدر هذه البرامج العناوين الرئيسية دائماً، لكنها تبني شيئاً مستداماً : المعرفة، والشبكات المهنية، والقدرات المؤسساتية. وفي كل عام، كان يتم تخصيص 75 مقعداً للبنان. ونظراً للاستجابة الهائلة والاقبال الكبير من لبنان هذا العام، فقد تم زيادة عدد المقاعد بشكل ملحوظ لتمكين المزيد من اللبنانيين – من المسؤولين الحكوميين والمهنيين في القطاع الخاص على حد سواء – من حضور برامج بناء القدرات المختلفة في مؤسسات مرموقة في الهند.
ويشمل تعاون الهند مع لبنان أيضاً مشاريع على مستوى المجتمعات المحلية والمساعدات الإنسانية. فقد دعمنا “مشاريع الأثر السريع” في مناطق عدة شملت محمية أرز الشوف، وبلدية جزين، وبلدية كترميا، ووزارات الخارجية والمغتربين، والصحة العامة، والشباب والرياضة، بالإضافة إلى بلديات مختلفة في جنوب لبنان. وتعتبر الكتيبة الهندية جزءاً من قوات اليونيفيل على مدار الـ 28 عاماً الماضية، حيث دأبت على تقديم المساعدات التنموية للسكان المحليين. وفي أعقاب انفجار مرفأ بيروت، قدمت الهند إغاثة إنسانية. وفي تشرين الأول 2024، أرسلت الهند أيضاً 33 طناً من الأدوية إلى لبنان، ويجري إرسال دفعة أخرى من الأدوية من الهند إلى لبنان. قد تكون هذه الجهود متواضعة مقارنة بالتحديات التي يواجهها لبنان، لكنها تعكس إيمان الهند بضرورة أن يستجيب التعاون التنموي للاحتياجات الحقيقية على أرض الواقع.
وثمة مبدأ هام وراء هذا النهج: إن النتيجة الأكثر قيمة للتعاون التنموي غالباً ما تكون القدرة التي يبنيها ليعود النفع على البلد وشعبه.
فالمهني المُدرَب يمكنه نقل المعرفة لغيره. والمؤسسة الأقوى يمكنها الاستمرار في خدمة المواطنين. والشاب الذي يمتلك مهارات جديدة يمكنه خلق فرص للآخرين.
ولهذا السبب تجمع شراكات الهند بين البنية التحتية والتكنولوجيا من جهة، والتدريب وبناء القدرات من جهة أخرى.
وثمة إمكانات كبيرة لتعميق هذا التعاون مع لبنان — في مجالات الرعاية الصحية، والحوكمة الرقمية، والزراعة، والطاقة المتجددة، والتعليم، والمهارات، وريادة الأعمال. وهناك الكثير مما يمكن للهند أن تشاركه، ولكن هناك أيضاً الكثير مما يمكننا تعلمه من لبنان.
إن الهند لا تعتقد أن تجربتها تقدم صيغة جاهزة للدول الأخرى. فلبنان لديه تاريخه الخاص، ومؤسساته، وأولوياته، ومستقبله يجب أن يصيغه الشعب اللبناني بنفسه.
إن دورنا يكمن في أن نكون شريكاً موثوقاً ومستداماً.
وفي نهاية المطاف، لا تقاس التنمية بعدد المشاريع المنجزة أو الاتفاقيات الموقعة. بل تقاس بمدى قدرة تلك الجهود على تحسين حياة الناس وتعزيز قدرة المؤسسات على خدمة مواطنيها.
هذه هي الروح التي تقارب بها الهند شراكاتها التنموية — مع لبنان ومع الجنوب العالمي الأوسع.
ونحن نؤمن بأن شراكة الهند التنموية مع لبنان ستعود بالنفع على الدولة وشعبها في مسيرتها نحو التعافي الاقتصادي والازدهار.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package