
بقلم المحامي عمر زين
منذ عقود، والاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يتوسع، فيما تتوالى القرارات الدولية التي تؤكد عدم شرعيته وتطالب بوقفه. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المشكلة في غياب القانون، أم في غياب الإرادة لتنفيذه؟
لقد أكد مجلس الأمن، في قراراته 446 و452 و465، عدم شرعية المستوطنات وطالب بوقف إنشائها وتوسيعها، وصولاً إلى القرار 2334 الصادر عام 2016، الذي أكد أن إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا شرعية قانونية له بموجب القانون الدولي، وطالب إسرائيل بالوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية. كما دعا الدول إلى التمييز في تعاملاتها بين أراضي إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967.
ولم يتوقف الأمر عند قرارات مجلس الأمن، فقد جاء رأي محكمة العدل الدولية في 19 تموز 2024 ليضيف بعداً قانونياً مهماً، إذ خلصت المحكمة إلى جملة من الالتزامات على الدول، من بينها عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعدم تقديم العون أو المساعدة في المحافظة عليه، والتمييز في التعاملات بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أكدت ضرورة تعاون الدول مع الأمم المتحدة لوضع حد لهذا الوضع وفق الوسائل القانونية.
إذن، النصوص موجودة، والقرارات موجودة، والموقف القانوني الدولي واضح.
لكن ماذا عن التنفيذ؟
إن استمرار الاستيطان رغم هذا الكم من القرارات والمواقف القانونية يجعل المسألة تتجاوز حدود الإدانة السياسية، لتصبح مسألة مساءلة قانونية عن استمرار وضع أعلنت المؤسسات الدولية عدم مشروعيته.
فالاستيطان ليس مجرد بناء مساكن جديدة، وإنما هو تغيير للواقع الديموغرافي والجغرافي، ومصادرة للأرض، وتهجير للسكان، وإنشاء وقائع يراد تثبيتها بمرور الزمن.
ومن هنا، فإن وقف الاستيطان يحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى آليات عملية مستمرة.
أول هذه الآليات هو تنفيذ القرار 2334 بصورة عملية، ولا سيما الالتزام بالتمييز في التعاملات بين إسرائيل والأراضي المحتلة، وعدم الاعتراف بالتغييرات التي تفرضها المستوطنات، وعدم تقديم المساعدة التي يمكن أن تساهم في استمرارها. وقد أكدت الجمعية العامة هذه المبادئ أيضاً، بما فيها عدم تقديم المساعدة للأنشطة الاستيطانية غير القانونية.
وثانيها المساءلة الاقتصادية والقانونية. فالمطلوب مراجعة الأنشطة التجارية والاستثمارية المرتبطة بالمستوطنات، والتأكد من عدم مساهمتها في تثبيت الوضع غير القانوني، واتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون الدولي والقوانين الوطنية في مواجهة الجهات التي تقدم دعماً مباشراً للأنشطة الاستيطانية.
وثالثها التوثيق القانوني المنهجي. فكل أرض تصادر، وكل مستوطنة تتوسع، وكل منزل يهدم، وكل فلسطيني يُهجّر، وكل اعتداء يقع في إطار المشروع الاستيطاني، يجب أن يتحول إلى ملف موثق يتضمن الوثائق والخرائط والصور والشهادات والبيانات الرسمية، بحيث لا تضيع الوقائع ولا تصبح المسألة مجرد أرقام في التقارير.
ورابعها تفعيل آليات المساءلة الدولية والوطنية المتاحة، كلٌّ ضمن اختصاصه وشروطه القانونية، ومتابعة المسؤولية عن الأفعال التي تشكل انتهاكات للقانون الدولي، وعدم الاكتفاء بتسمية الانتهاك أو إدانته.
وخامسها أن تتحمل الدول مسؤوليتها في عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني وعدم المساعدة في استمراره. فالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لم يتوجه بالالتزامات إلى الطرف الموجود في الأراضي المحتلة وحده، بل أكد أيضاً التزامات على الدول الأخرى، وهو ما يجعل مسألة الاستيطان مسؤولية دولية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الطرفين.
وهنا تكمن أهمية الربط بين القرار الدولي والمساءلة: فإذا صدر قرار يؤكد عدم شرعية الاستيطان، ثم استمرت عملية بناء مستوطنة جديدة، فلا ينبغي أن تنتهي المسألة ببيان إدانة جديد، بل يجب السؤال عن الإجراءات التي اتُخذت لمنع استمرارها، وعن الجهات التي ساهمت فيها، وعن المسؤوليات القانونية المترتبة على ذلك.
والواقع الدولي نفسه يبين أن المشكلة ليست في غياب المعلومات. فالأمم المتحدة ما زالت ترفع تقارير دورية عن تنفيذ القرار 2334، وقد أشار تقرير الأمين العام الصادر في 24 حزيران 2026 إلى استمرار النشاط الاستيطاني، بما في ذلك تقدم أو إقرار آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال الفترة التي غطاها التقرير.
لذلك، فإن المطلوب ليس إضافة قرار جديد إلى مجموعة القرارات السابقة، بل بناء منظومة تنفيذ ومساءلة: توثيق، ومراقبة، وعدم اعتراف، وعدم مساعدة، وإجراءات اقتصادية وقانونية، ومتابعة دولية مستمرة.
إن القانون الدولي لا يفقد قيمته لأنه لم يُنفذ مرة أو مرات، لكنه يفقد جزءاً من فاعليته عندما تتكرر المخالفة دون أن تتبعها مساءلة جدية.
والاستيطان، بعد كل هذه القرارات والمواقف القضائية، لم يعد قضية تحتاج إلى إثبات عدم شرعيته بقدر ما يحتاج إلى إرادة قانونية دولية لوضع حد له ومحاسبة من يساهم في استمراره.
فالأرض الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى حماية فعلية؛ والقرارات الدولية لا تحتاج إلى تكرارها فقط، بل إلى تنفيذها؛ والمساءلة لا ينبغي أن تبدأ بعد اكتمال المشروع الاستيطاني، بل منذ لحظة التخطيط والمصادرة والبناء والمساهمة في تثبيت الأمر الواقع.
وهنا تكون مسؤولية المجتمع الدولي: أن يجعل من القانون وسيلة لحماية الحق، لا مجرد سجلّ لتوثيق الانتهاكات.
*الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package