
نبيه البرجي
الصحف والشاشات تضج بالمواقف التي تتحدث عن عبثية تفجير الخط الأزرق . الدليل أنه لم يؤثر , قطعاً , على الغزو البربري لغزة , لا بل قد يفضي الى اندلاع حرب لا تبقي ولا تذر . الثابت أن ضرورات لبنانية قصوى فرضت اتحاذ ذلك القرار , على أن تتم اضاءة كل الحيثيات في الوقت المناسب , وبعدما بات معلوماً أن هناك داخل “الكابينت” من دعا الى غزو لبنان لا غزة .
ولكن ثمة حقيقة صارخة , ويفترض أن تحكم العقل السياسي في لبنان , وهي أن على حدودنا تجثم ظاهرة مغولية , بايديولوجيا مجنونة , لا علاقة لها لا بالقرارات الدولية , ولا بالمواثيق الدولية . ثقافة الاجتثاث ليست بالطارئة . مثلما قضت على قرى فلسطينية عام 1948 , سحقت بجنازير الدبابات الأسرى المصريين عام 1967 , لنشهد في لبنان تدمير المنازل فوق أهلها .
هذه الحقيقة لم تهز الأوليغارشيا في لبنان , لا بل أن الطائرات الاسرائيلية كانت تحلق فوق بيروت منذ الخمسينات من القرن الفائت . استراتيجية اللامبالاة , ان لم تكن استراتيجية التواطؤ , اذ شرّعت الأبواب أمام غانيات أبو الهول , وأبو الزعيم , وأبو الجماجم , شرعت الأبواب أمام دبابات آرييل شارون .
لا تغيير في دولة قامت على جدلية الأزمات والتسويات , دون أن تظهر الحد الأدنى من المسؤولية في حماية جنوب لبنان , بل كل لبنان . هكذا كان على الآخرين أن يقاتلوا بجثثنا , وأن يفاوضوا بجثثنا …
المقاومة التي خرجت من هذه الأرض ينبغي أن تبقى على هذه الأرض , مع تأكيدنا بأن السلاح لمواجهة الخارج لا لمواجهة الداخل . أما التذرع بأحداث أيار 2008 , فالرجاء العودة الى قرار مجلس الوزراء ـ الذي أقرّ الرئيس فؤاد السنيورة أنه تبناه تحت ضغط احدى الجهات ـ وكان يقضي بتسطير مذكرات جلب بحق قيادة “حزب الله” , بـ “جرم” مد خطوط هاتفية خاصة به , لتظهر الوقائع اللاحقة كم أن تلك العملية الوقائية كانت ضرورية لللحيلولة دون الاختراق الالكتروني الاسرائيلي , حتى لقبورنا .
كيف لا نصدق ما أبلغه أحد الوزراء الذين حضروا الجلسة لأحد المراجع بأن جهاز استخبارات أجنبي , وحتى معاد , هو من طلب التدخل , وبأي وسيلة , لتعطيل تلك العملية ؟
حقيقة أخرى لمن تجمدوا , كما التماثيل الصدئة , عند القرن التاسع عشر , ولمن يسندون ظهورهم الى بعض موظفي الدرجة الثالثة في وزارة الخارجية الأميركية , وهي أن اللبنانيين وحدهم من يحمي لبنان . متى لم تلق واشنطن بحلفائها , الأكثر أهمية بكثير , على الأرصفة ؟
لبنان , وللمرة الألف , على مفترق طرق , وقد يكون المفترق الوجودي . ولقد آن الأوان لوقف ثقافة التفاهة . أي صفقة , في الظل أو في الظلام , يتحدثون عنها ؟ أبعد بكثير من أي رئيس للجمهورية في لبنان , أي جمهورية في لبنان ؟ ولو كانت المسألة تتعلق بقصر بعبدا لشاهدنا السفيرة الأميركية تتناول العشاء في أحد مطاعم الضاحية !
هذا لا يعني أن المقاومة ليست معنية والى ابعد الحدود باختيار رئيس الجمهورية , في ظل تطورات على هذا المستوى من الحساسية . رئيس لا يهزه رنين الذهب , ولا تهزه الطرقات على الباب . ولا نتصور أنها في صدد اهمال شرط بنيوي . رجل بيدين نظيفتين في بلد استشرت في أرجائه , كما الطاعون , ظاهرة الأيدي القذرة .
كل ذلك الضجيج , بما فيه الضجيج الدموي , لم يؤثر , سوى بصورة محدودة للغاية , في أولئك الذين يرون أن بقاءهم على عروشهم يفترض الذهاب في الاستقطاب , وفي التأجيج , الطائفي , والسياسي , الى حدود الانفجار .
قطعاً لم نأخذ الأمثولة لا من تجاربنا , منذ الاستقلال وحتى الآن , ومن تجارب الدول الأخرى , التي جعلها التصدع , أو التبعثر , الداخلي هدفاً للعبة الأمم . عندنا , أيضاً , هدفاً اما للمغول الجدد , أو لمن خططوا لاعادة النظر ان بالخرائط , أو بالدول , في الشرق الأوسط . لبنان مثلما كان دوماً , وبسبب الأوليغارشيا اياها , في مهب الرياح . الآن في مهب الحرائق .
عالم السياسة الانكليزي هارولد لاسكي تحدث عن “الاختلال في الوعي” كعامل أساسي في سقوط الدول , وفي سقوط المجتمعات , أمام أي هزة سواء كانت داخلية أم خارجية . ما بالكم حين نكون أمام الزلزال ؟
لنقرأ ما كتب حول غزو هولاكو لبغداد . هل كان المغول يفرّقون بين رأس ورأس ؟ كل الرؤوس تدحرجت , ولسوف تبقى تتدحرج …
المصدر : جريدة الديار
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package