
بقلم. اماني ابو زينب
صيدا
23 أيلول 2024، تاريخٌ أعاد المرأة اللبنانية إلى الواجهة لتحلّ من جديد في الصفوف الأمامية في عمليات التدخّل الطارئ و السريع بالتزامن مع حزمة من التحدّيات الأمنية، الاجتماعية و الاقتصادية التي جعلت الحلول أكثر تعقيداً و لكن ممكنة، مع الإرادة و العزيمة الأنثوية التي تأبى إلّا أن تجد أفضل الحلول بأسرع وقت ممكن.
انطلقت “سهام الشمال” المعادية و الموجّهة إلى صدور النساء و الأطفال و المدنيين غير مكترثةٍ بالمخاطر و العواقب و الموت و الدمار الذي ستخلّفه وراءها. وطنٌ بأسره تحوّل إلى ساحة حرب مستهدفة و الكل على قائمة “الشهداء المحتملين” لو لم تحضر العناية الإلهية بلطفها و بديع أقدارها لتحمي الناجين و تكتب لهم أعماراً جديدة.
دمارٌ، خرابٌ، موتٌ و بكاء، هي الصورة العامة و لسان حال الجميع. في خضمّ ذلك كله، وحده الإصرار النسائي على المواجهة و الصمود و الدفاع عن الحياة و كرامة الإنسان كان العنصر الإيجابي الأوّل، لعلّه يعيد بعض الأمل إلى أرواحٍ باتت لا تستشعر سوى الموت و أنوفٍ تشتم رائحته.
استنفرَتْ، مسلّحةً بالكثير من مشاعر التآخي و التضامن و القليل من الموارد المادية بحثاً عن حلول عاجلة لإيواءٍ كريم لآلاف النازحين تحت وطأة نيران عدو مجرم شرس.
هي اللبنانية، في أدقّ المراحل، تراكم من جديد و تضيف إلى رصيد إنجازاتها خلال الكوارث و الأزمات حزمة ً من الأصول المادية و المعنوية على حدٍ سواء. فهي من حضنت في حرب تموز 2006 و برزت في انتفاضة 17 تشرين و تدخّلت في جائحة كورونا و حضرت في تفجير 4 آب.
مراسلات، طبيبات، ممرضات، أمهات، مهندسات، ناشطات، سيدات أعمال و عاملات، اجتمعن من أجل رسالة واحدة “بالوحدة نعبر، نتخطّى و نتمسّك بحقنا في الحياة” و بهدف “الحياة الكريمة و السلام و العيش الآمن حقٌ للجميع”, تجمّعن في مبادرات مجتمعية إغاثية و أجسام حكومية و غير حكومية للوقوف على حاجات الضيوف في مراكز الايواء المنتشرة و المنازل التي لا تعد و لا تحصى على مساحة الوطن الآمنة (إلى حد ما)، فكانت المستجيبة الأولى بأفضل أداء و المستمعة و الحاضنة و المطبطبة و الباعثة للأمل بابتسامة لا بد و لا غنى عنها.
هو الثامن من آذار، يوم نسائي بامتياز، و كيف لمثله أن يمرّ دون الإضاءة على بعضٍ من إنجازات اللبنانيات خلال الحرب على سبيل المثال لا الحصر.
لينا، هانية، وداد و وفاء، نماذج عرفْتُها عن قرب و غيرهن من السيدات اللواتي كرّسن شهوراً من العمل المتواصل خلال العدوان و بعده و قد تشاركْتُ معهن حكايات و حكايات تتشابه في الأهمية و الأثر مع قصص ألف ليلة و ليلة و لكنّها تختلف عنها بواقعية بحتة لا خيال فيها.
لينا، سيدة جنوبية من بلدة حدودية، مسؤولة متطوّعة عن أحد مراكز الإيواء شرق مدينة صيدا، لم ترض سوى أن تقدّم لضيوفها أجود الخدمات و الغذاء و الرعاية الصحية و النفسية لتصبح مقصداً للجميع ضمن منطقتها و الاسم الأول عند الحاجة لأي تدخّل عاجل.
هانية، سيدة صيداوية عاشقة للتكنولوجيا، استثمرت في مهاراتها و خبرتها في الذكاء الاصطناعي لتطوير برنامج مجيب آلي عبر تطبيق واتس أب يستقبل حاجات النازحين و يحتفظ بالبيانات و يرتّبها لتأمين السرعة في الاستجابة و التنظيم و التنسيق لتلبية متوازنة و عادلة.
وداد، مديرة إحدى الثانويات المستضيفة، حوّلت مكتبها الخاص في الثانوية إلى مكان إقامة دائمة طوال فترة الحرب حيث كانت تستقبل زوجها و أبناءها و محبيها في زيارات متقطّعة شعوراً منها بالمسؤولية الكبيرة و حرصاً على تأمين جودة عالية في الخدمات ساهرةً على أمن و سلامة كل كبير و صغير.
وفاء، عضو بلدي، متابعة يومية لأدق التفاصيل و على تنسيق عال مع كل العاملين ضمن خلية الأزمة من أفراد و مؤسسات و هيئات. صاحبة الابتسامه الداعمة لكل فرد عمل معها ضمن الفريق البلدي. إنها المستمعة و المتواصلة الفعّالة لتغدو مرجعاً سريع التلبية لكل ما هو ضروري و ملحّ.
أُعلِنَ عن وقف إطلاق النار و وضعت الحرب أوزارها ليبدأ الجميع رحلة عودة تدريجية إلى ممارسة حياة شبه طبيعية.
هي، بصمت و ترقّب، و على آخر نفس، أبَت الإستراحة حتى تطمئن على سلامة كل فرد أضافته هذه الحرب المشؤومة إلى لائحة الأهل و الأصدقاء و الأولويات عندها. نعم، خفَتَت أصوات القنابل و الانهيارات و لكن رنين الهواتف المحمولة لم يخفت بعد، فنحن أمام مرحلة تعافي طويلة و ليست بالسهلة، تتطلّب جهوداً لا تقل أهمية عن مرحلة الحرب. و هنّ … مستمرات … إلى ما شاء الله.
نحن ممتنون لك أيتها السيدة، المخاطرة، المغامرة، المضحّية، الحاضنة و المتفانية و نحن ننحني إجلالاً أمام جراح و أحزان كل سيدة خسرت غالياً أو حبيباً أو عافية أو ملكاً حيث لا نملك سوى المواساة و الدعوات بالصبر و الأجر العظيم، فأمام الخسارات الكبرى و الآلام الشديدة، لا قوة إلا من عند الله و لا جابراً سوى الله.
منّا لك، كل الشكر أيتها اللبنانية، لإرادتك الصلبة، لقيادتك الحكيمة، لصبرك الجميل و لقلبك الكبير الذي اتسع لأكثر من مليون و أربع مئة نازح.
و سأبقى أتحدّث عنك أيتها اللبنانية !
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package