
بقلم الإعلامي علي أحمد – رئيس تحرير موقع صدى فور برس
ليست كل الحروب تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات، ولا كل الانتصارات تُحسم بسقوط المدن أو احتلال الأرض. هناك لحظات في التاريخ تتحول فيها المواجهات إلى نقطة فاصلة بين زمنين، لحظات تهتز فيها صورة الإمبراطوريات أمام صمود الشعوب، وتنكشف فيها حقيقة القوة حين تصطدم بالإرادة والعقيدة والهوية الحضارية.
ما يجري اليوم مع الجمهورية الإسلامية في إيران ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل زلزال جيوسياسي يعيد رسم ملامح النظام العالمي بأكمله. فحين يخرج أحد أبرز منظّري الهيمنة الأميركية، روبرت كاغان، ليعترف بأن واشنطن قد تكون أمام “هزيمة لا يمكن إصلاحها”، فإن الأمر لم يعد دعاية سياسية أو خطاباً عاطفياً لمحور المقاومة، بل أصبح اعترافاً صادماً من قلب المؤسسة الفكرية الأميركية نفسها.
إن أخطر ما كشفته هذه الحرب ليس قوة إيران العسكرية فقط، بل عجز الولايات المتحدة وحلفائها عن كسر دولة قررت أن تبني مشروعها على الصبر الاستراتيجي والسيادة والاستقلال.
سبعة وثلاثون يوماً من القصف والتدمير والاغتيالات والحصار لم تنجح في إسقاط النظام، ولم تنتزع استسلاماً، ولم تُخضع شعباً تربّى على ثقافة الصمود منذ الثورة الإسلامية وحتى اليوم.
لقد راهنوا على انهيار الداخل الإيراني، لكنهم اصطدموا بحقيقة أكبر من حساباتهم:
إيران ليست مجرد نظام سياسي… إيران حضارة عمرها آلاف السنين.
هذه الأمة التي أنجبت العلماء والفلاسفة والإمبراطوريات، والتي قاومت الغزوات عبر التاريخ، لم تكن لتنكسر أمام حرب مهما بلغت وحشيتها. فالشعوب التي تمتلك هوية حضارية عميقة لا تُهزم بسهولة، لأنها لا تقاتل فقط من أجل السلطة أو الاقتصاد، بل من أجل الكرامة والوجود والذاكرة التاريخية.
واليوم، بينما كانت واشنطن تعتقد أنها تخوض معركة لإخضاع إيران، اكتشف العالم أن أميركا نفسها دخلت اختباراً وجودياً لقوتها وهيبتها.
للمرة الأولى منذ عقود، تظهر الولايات المتحدة عاجزة عن فرض إرادتها رغم تفوقها العسكري الساحق. وللمرة الأولى، يصبح مضيق هرمز ورقة قوة بيد طهران لا بيد الأساطيل الغربية.
لقد تغيّرت قواعد اللعبة.
فإيران لم تعد فقط دولة تدافع عن نفسها، بل تحولت إلى مركز توازن دولي جديد، وإلى رمز عالمي لمواجهة الهيمنة الأميركية والصهيونية. وما تخشاه واشنطن وتل أبيب ليس الصواريخ وحدها، بل ولادة مرحلة تاريخية جديدة تسقط فيها أسطورة “القوة التي لا تُهزم”.
إن الحرب على إيران لم توحّد الإيرانيين فقط، بل أعادت إحياء روح قومية وحضارية عابرة للسياسة والانقسامات الداخلية. فمن طهران إلى أصفهان، ومن تبريز إلى شيراز، يقف الشعب الإيراني اليوم أمام العالم وهو يدرك أن المعركة لم تعد تخص بلده فقط، بل تخص مستقبل المنطقة بأكملها.
وما يدركه الإيرانيون جيداً أن سقوط إيران كان سيعني سقوط آخر مشروع سيادي مستقل في الشرق الأوسط، وتحويل المنطقة بالكامل إلى خريطة تُدار من واشنطن وتل أبيب. لذلك، فإن الدفاع عن الجمهورية الإسلامية بالنسبة لكثيرين لم يعد موقفاً سياسياً فقط، بل دفاعاً عن كرامة الشرق، وعن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الاحتلال والهيمنة.
أما الكيان الصهيوني، الذي اعتقد أن الحرب ستمنحه شرق أوسط جديداً وفق مقاساته الأمنية والسياسية، فقد يجد نفسه أمام واقع معاكس تماماً:
شرق أوسط أكثر غضباً، وأكثر رفضاً، وأكثر استعداداً للمواجهة.
إن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس فقط احتمال تراجع النفوذ الأميركي، بل ولادة وعي عالمي جديد يرى أن الإمبراطوريات يمكن أن تُهزم، وأن الشعوب قادرة على فرض معادلاتها مهما كانت التضحيات.
قد تمتلك واشنطن حاملات الطائرات، وقد تمتلك “إسرائيل” أحدث أنظمة القتل والتكنولوجيا، لكن إيران تمتلك ما هو أخطر في معارك التاريخ الطويلة:
الإرادة… والصبر… والإيمان بأنها تقاتل معركة وجود لا معركة حدود.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب على إيران، بل معركة على شكل العالم القادم.
إما عالم تحكمه الهيمنة والابتزاز والقوة العسكرية، أو عالم تستعيد فيه الشعوب حقها في السيادة والكرامة والاستقلال.
وفي النهاية، قد يختلف العالم سياسياً حول إيران، لكنه لن يستطيع إنكار حقيقة واحدة بدأت تتكرس أمام الجميع:
هذه الدولة لم تسقط رغم كل النار…
وهذا الشعب لم ينكسر رغم كل الحصار…
وهذه الأمة قررت أن تكتب مستقبلها بيدها، مهما كانت الكلفة.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package