
السفير عفيف أيوب
أولاً: إطلالة على الدبلوماسية اللبنانية
كان لبنان من أوائل الدول العربية التي نالت استقلالها في وقت ُمبكر من القرن الماضي، وقُدر له أن يلعب دوراً ها ّماً على المسرحين الإقليمي والدولي. فلبنان هو من الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومجموعة دول
عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامي، والمنظمة الدولية للفرنكوفونية. ساهم لبنان في وضع ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، ووقف في المنتديات العالمية مدافعا صلبا عن قضية فلسطين والشعب الفلسطيني، وداعما قويا لقضايا التحرر والاستقلال لدول وشعوب آسيا وأفريقيا ومن ضمنها الدول العربية التي كانت، في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لا تزال ترزح تحت نير الاستعمار. وكان دور الدبلوماسية اللبنانية فاعلاً ومنظوراً و ُمرحباً به من الدول الفتية والشعوب المستضعفة التي كانت تسعى لرسم مستقبلها. لقد مثّلت الدبلوماسية اللبنانية، في النصف الثاني من القرن العشرين، حاجةً ضروريةً لبناء جسور التواصل والتعاون
بين الشرق والغرب، وللمساعدة في التوفيق بين سياسات ومصالح العالمين النامي ِّوالمتطور.
ثانياً: أبعاد الدبلوماسية اللبنانية
للدبلوماسية اللبنانية أبعاد أربعة تُشكل في مجموعها رؤية لبنان لدوره ومسؤولياته في محيطه الجغرافي وفي الإطار الدولي. وهذه الأبعاد هي:
(1) البُعد الداخلي، حيث أن لبنان بلد تنوع سياسي وفكري وديني، وينص دستوره على حرية الرأي والمعتقد، ويملك شعبه مساحة واسعة من حرية التعبير. وبالتالي فإن هذه السمات والميّزات لها مكانتها في رسم خيارات السياسة الخارجية للبنان.
(2) البُعد العربي، حيث أن لبنان بلد عربي الانتماء، يلتزم ميثاق جامعة الدول العربية، ويعيش هموم العالم العربي وطموحاته. ولطالما مثّل لبنان موئل لقاء بين الأشقاء العرب دولاً وشعوباً، ومن الطبيعي أن يلعب دوراً فاعلاً في الدفاع عن الحقوق العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية.
(3) البُعد الدولي، حيث أ ن لبنان يعتمد مبدأ عدم الانحياز وسياسة الانفتاح على دول العالم، ويسعى إلى تعزيز التّعاون والتّواصل وبناء أواصر الصداقة معها، ويحترم قرارات الشرعية الدولية المتمثلة بمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم
المتحدة.
(4) البُعد الاغترابي، حيث أ ّن لبنان معني بشؤون المغتربين اللبنانيين المتواجدين في مختلف دول العالم، لإبقائهم على تواصل مع بلدهم الأم، وتنشيط العلاقة مع الدول التي تستضيفهم كمقيمين أو حاملي جنسيتها، لخلق المناخات الإيجابية التي تخدم مصالحهم في تلك الدول.
ثالثاً: تحديات سياسة لبنان الخارجية
عانى لبنان، في بعض المحطات من تاريخه الحديث، من عدم وجود سياسة خارجية واحدة. كانت هناك سياسة خارجية لرئيس الجمهورية، وسياسة خارجية لرئيس مجلس النواب، وسياسة خارجية لرئيس مجلس الوزراء، وسياسة خارجية لوزير الخارجية. قد تتلاقى هذه السياسات في أحيان، وتختلف في أحيان أخرى، ِّتبعاً للظروف الداخلية والتأثيرات الخارجية وتطور الأحداث في المنطقة. ويُضاف إلى المسؤولين الأربعة أعلاه، فإن للمرجعيات الروحية ولرؤساء الأحزاب كذلك سياساتهم الخارجية الخاصة
ًبطوائفهم وبأحزابهم. وانضمت إلى هؤلاء مؤخرا مؤسسات إعلامية وجمعيات مجتمع مدني سعت دول مهتمة بالشأن اللبناني إلى التواصل معها بهدف التأثير على الرأي العام اللبناني والترويج لمواقف تخدم توجهات سياسات خارجية محددة.
إ ّن ما نعرفه من عالم الدبلوماسية هو أن السلطة التنفيذية، على وجه العموم، هي التي تتولى وضع وتوجيه وتنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وأن القوى الداخلية الحزبية والدينية والكيانات الإعلامية والمدنية لا يُفترض أن تتحرك، في تواصلها مع الجهات الخارجية، بمعزل عن السلطة السياسية ممثلة بوزارة الخارجية ومن دون علمها وموافقتها.
ومن التحديات التي قد تُواجهها الدبلوماسية اللبنانية في بعض الأحيان، أن يُحسب وزير الخارجية والمغتربين على جهة سياسية معينة. وأثبتت التجربة أن مثل هذا الوضع يُعيق الدور المنوط بوزير الخارجية في بلورة سياسة لبنان الخارجية بالتنسيق مع رئيس الجمهورية ورئيسي مجلسي النواب والوزراء، مع الأخذ بعين الاعتبار رأي القوى السياسية الأساسية. كما أنه يحد من تحرك الوزير في الخارج نظراً لأن بعض الدول المؤثّرة قد لا ترتاح لمواقف الحزب الذي ينتمي إليه الوزير.
وفي جانب آخر، فإن عدم التزام بعض سفراء الدول المعتمدين لدى لبنان بمضمون اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تقضي بالامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، يشكل أسلوباً علنياً غير مألوف للتأثير على سياسة لبنان الخارجية. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن للدول الأجنبية مواقفها اتجاه التطورات السياسية، فإن التقاليد الدبلوماسية تشير إلى أن السفراء يمكنهم نقل مواقف دولهم من أي شأن دولي أو إقليمي أو محلي إلى وزارة الخارجية والمغتربين وإلى كبار المسؤولين كتابةً أو شفاهةً من خلال المذكرات الدبلوماسية أو اللقاءات التي يتم ترتيبها لهم مع المسؤولين المعنيين بواسطة وزارة الخارجية والمغتربين. وفي السنوات القليلة الماضية ازدادت ظاهرة استخدام السفراء لمنابر إعلامية للإعلان عن مواقف من عدد من الموضوعات السياسية، وخصوصاً بعد لقاء رؤساء أحزاب ومرجعيات دينية، وهو ما يُعتبر خروجاً عن الأعراف الدبلوماسية.
إ ّن بلداً، مثل لبنان، برؤوس كثيرة، يصعُب أن ينسج علاقات خارجية سليمة وطبيعية مع دول العالم. إ ّن تعدد المرجعيات والتوجهات السياسية يُربك حكومات الدول التي ترغب في التعاون مع لبنان، ويُدخل إليها الحيرةَ حول الجهة التي تملك سلطة القرار الفعلية وتعبّر عن الموقف اللبناني الجامع. كما أ ّن بعض الدول تستفي ُد من هذه المفارقات، للعب على الخلافات بين المسؤولين اللبنانيين وتمرير أجنداتها الخاصة التي لا تصب، في معظم الأحيان، في مصلحة لبنان. إن استمرار هذا الوضع، يُؤثّر سلباً على الدبلوماسية اللبنانية، ويُفقد لبنان القدرة على التّأثير في مسار التّطورات على المسرح الدولي، ويُبقيه في دائرة رد الفعل ويُحمله الأثمان الثقيلة والانعكاسات السلبية لسياسات وصراعات الدول الفاعلة في المنطقة.
خاتمة: لبنان والمستقبل
وسط هذا الكم من الصعوبات الداخلية والخارجية التي تواجه لبنان والشعب اللبناني، فإن من الضرورة بمكان أن يُعيد المسؤولون اللبنانيون النظر في طريقة مقاربتهم للتحديات المصيرية التي تعصف بلبنان، وأن يسعوا إلى الاتفاق على خيارات سياسة
خارجية تحظى بأكبر قدر من الإجماع الوطني. إن على لبنان أن يستمر في سياسة الانفتاح على القوى الفاعلة في العالم من دون أن يكون مقيّداً بأي منها. إن العمل على امتلاك قدرات اقتصادية ودبلوماسية ودفاعية مناسبة وتماسك داخلي يمنح الزخم والقوة لسياسة لبنان الخارجية، مما يسمح للبنان بأن يلعب دوراً فاعلاً ويكون له رأي مسموعٌ في ميدان العلاقات الدولية.
وما يجب أن يبقى ماثلاً في الأذهان هو أ ّن لبنان بقدر ما هو حاجةٌ لأبنائه، إذ لا قيمة للإنسان من دون وطن ينتمي إليه ويتعلّق به، فإنه كذلك حاجة عربية ودولية لأسباب عديدة. ولبنان الوطن أقوى مما يظهر عليه حالياً. صحيح أن القشرة الخارجية هشة و ُعرضة للتشقق والتفتت بسبب سوء تصرف بعض المسؤولين، لكن قلب الوطن بأرضه وشعبه هو أكثر صلابة من دول أخرى تبدو عليها مظاهر القوة.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package