كتب حسين حاموش
بعد إبرام صفقة القرن في عهد الرئيس الأميركي ترامب، اتخذ القرار من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين وبعض الدول العربية تحت عنوان:” فقر في الداخل. وحرمان من الخارج”. على جميع الأصعدة.
ومن أبرز ما جاء في مضمون الحصار: قرار أممي في ما خص النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين قضى بـ:
أ- لا عودة للنازجين السوريين إلا بعد الحل السياسي في سوريا.
ب- ربط عدم العودة بإعادة البناء الديمغرافي في الشرق الأوسط الذي تنخر كياناته صراعات عرقية وقومية ودينية وطائفية ومذهبية، وبعضها يتعلق بعدم نضج خرائط المصير الجديد لشعوب المنطقة بكاملها. وبعضها الآخر يتعلق بمآل “صفقة القرن” والصراع على غاز المنطقة وحدود تقسيم العمل الجديد على النطاق الإقليمي من ضمن خارطة تقسيم العمل على النطاق الدولي.
- ماذا عن لبنان؟
أ. حول مؤتمر “سيدر”: جرى إبلاغ السلطات اللبنانية المعنية آنذاك:” تنفيذ مقررات “سيدرز” تقتضي ربط الأموال بالقبول بشرط تحويل جزء من الاستثمارات لمصلحة تشغيل اليد العاملة من النازحين السوريين وبالتالي تأمين إجازات عمل وإقامات باعتبارهم نازحين يتمتعون بحقوق معترف بها دوليًا (بما يعني التمهيد للتوطين)؟!
ب. عدم صرف أموال- من قبل الخارج والدول العربية- في لبنان من دون مقابل واضح ومحدد أي لن يكون هناك دعم مفتوح أو لفترة متوسطة أو طويلة. وقد طبق ذلك من قبل عدد من الدول العربية بما يعني: لن يكون تحت أي طائل اندفاع على المستوى الاستثماري في لبنان خارج إطار المساهمات في “سيدرز”.
ج. عندما يصل الدين العام إلى ما بين 70- 80 مليار أي مرحلة الانهيار- التي يعيش اللبنانيون مآسيها في هذه الأيام، وفي حال قبول لبنان بتوطين النازحين واللاجئين السوريين يعطى لبنان هبات بمبالغ مالية معادلة.
د. إجراء الاتصالات المطلوبة مع الاتحاد الأوروبي بدعم من الولايات المتحدة الأميركية من أجل زيادة دعم منظمات المجتمع المدني: لبنان وإيران وغزة والضفة الغربية. وهذا ما شهدنا في لبنان والآتي أعظم.
ه. يرافق ذلك حملة إعلامية مركزة في أساسها الإضاءة على حالة الفوضى المالية والاجتماعية والاقتصادية وضيق الحالة المعيشية.
على ضوء ذلك،
لا أحد مستعدًا لمساعدة الشعب اللبناني من دون أثمان سياسية لا من قبل العرب، ولا من الأوروبيين… حيث “لم يعد باليد حيلة”.
“ولا بد من القبول بصندوق النقد الدولي وبالتالي شروطه ولو قاسية بهدف إنقاذ لبنان الوطن والشعب والمؤسسات” – حسب مصدر حكومي-.
السلطة اللبنانية أخذت خيار صندوق النقد الدولي. ولكن هل سيكون صندوق النقد الدولي “المنقذ فعلًا”؟
ولكن قبل الإجابة على السؤال أعلاه لا بد من التعريف بصندوق النقد الدولي.
هو:” المؤسسة التي توفر المال- “الإنقاذي- وتعزز الاستقرار المالي، ودعم الإنسان والثقافة، وإعطاء القروض المطلوبة للإنقاذ. وفق شروط محددة”.
حسب الخبير زياد ناصر الدين:” غالبًا ما تكون الشروط قاسية وتتجاهل حقوق الإنسان بل الأصح تقضي عليها بالكامل. كما تهدر طاقات الدولة وإمكانياتها وتؤدي بها إلى المزيد من الأزمات المتلاحقة. يعتبر الصندوق الدولي التي تمتلك حصصًا فيه الرابح الأكبر من هذه الصفقات المشبوهة سواء كان ذلك على الصعيد السياسي أو الاقتصادي”.
في الإجابة على السؤال المذكور أعلاه:
“هل سيكون صندوق النقد الدولي “المنقذ فعلًا”؟
أولًا: الصندوق يتألف من:
الولايات المتحدة الأميركية تمتلك الحصة الأكبر 16,4%. وهي المهيمنة فعليًا عليه. كما تمتلك حق الفيتو. وأخذ القرار والتوجيه. وإلى جانبها أربع دول من حلفائها:
اليابان: 6,23%- ألمانيا: 5,81%.
فرنسا: 4,29%- بريطانيا 4,29%.
ثانيًا: ماذا كان مصير الدول التي استعانت بصندوق النقد الدولي؟
هذا ما جرى في أميركا اللاتينية
تاريخ هذا الصندوق الأسود أدى إلى حصد الكوارث لأعوام عديدة في دول عديدة.
أميركا اللاتينية مختبر ناطق. ماذا جرى فيها؟
في ستينات القرن الماضي كان مجموع ديون أميركا اللاتينية كلها: 60 مليار دولار تقريبًا ديون موزعة على عدد من الدول. بعد عشرين عامًا فقز الدين بعد مساعدات صندوق النقد الدولي إلى 206 مليارات.
هذه القفزة اجتاحت عشرين عامًا من المعاناة والانزلاق إلى الأسفل ثم بعد عشر سنوات بلغ الدين ضعفين وصل إلى حافة 443 مليار دولار. وفي نهاية القرن فقز الدين إلى: 750 مليار دولار ولم يتوقف بعد ذلك أبدًا.
رأس المال لا يحب الربح
الأموال ليست هبات أبدًا رأس المال لا يحب الربح ويمقت الخسارة. مستعد لإرتكاب جرائم. بشرط تأمين أرباح خيالية. هذا هو الرأسمالي. وفق تعريف جورج برنارد شو.
كيف حاولت الدولة المدنية إطفاء ديونها؟
بدأت بتحويل 2.5 مليار دولار سنويًا لمصلحة الدائنين على مدى 30 عامًا. الدائن جرار. المدين رقبته تحت المقصلة.
دول أميركا اللاتينية تخصص 30% إلى 35% من قيمة صادراتها
التزمت دول أميركا اللاتينية بتخصيص 30% إلى 35% من قيمة صادراتها لإطفاء الدين. وبحساب مقسط على الأفراد. كان على كل فرد أن يدفع 2550 دولارًا للدائن من بلاد الشمال الغنية. (من محاضرة موريس لوموان معاون رئيس تحرير جريدة “لوموند ديبلوماتيك عام 2011).
يطلق كثيرون على سياسات البنوك الدولية وصناديقها لقبت “مشعلي الحرائق” وابلغ نموذج الدول التالية:
الأرجنتين من مزدهرة إلى مديونة
كانت اقتصاديات الأرجنتين مزدهرة. استدانت. وأثقلت اقتصادها بالديون الخارجية. تعبت من الفوائد الباهظة. أقدمت على خصخصة القطاع العام. وحررت الأسواق المالية. فشلت في سداد ما عليها. وقعت ثمرة ناضجة في قبضة صندوق النقد الدولي.
صندوق النقد يملي سياساته ولا يتفاوض بشأنها
صندوق النقد يملي سياساته ولا يتفاوض بشأنها. نظامه ديكتاتوري مطلق.
1+1= 10 وليس أقل من ذلك أبدًا. أملى الصندوق على الأرجنتين سياسة اقتصادية ومالية تخدم بالدرجة الأولى الشركات (الكبرى العابرة للقارات) وهي في معظمها أجنبية وتحديدًا أميركية. انهارت العملة الوطنية فكان ما كان من فقر وبؤس ومجاعات وعنف وأحزمة بؤس وتخلف اقتصادي وانفتاح مالي للمصارف والشركات الأجنبية.
لبنان نقطة في بحر الأرجنتين
في العام 2001 بلغ الدين الخارجي للأرجنتين 146 مليار (لبنان نقطة جغرافية في بحر الأرجنتين مساحة ومع ذلك بلغت ديونه أكثر من 85 مليار دولار). اضطرت القيادة السياسية في الأرجنتين إلى اتخاذ قرار بتجميد الودائع المصرفية الخاصة. فانتشر الهلع بين الناس، وانهار الاقتصاد الوطني.
ارتفعت نسبة البطالة وتتابعت إفلاسات المؤسسات المنتجة.
لا قروض جديدة
رفض صندوق النقد الدولي تقديم قروض جديدة الأمر الذي أدى إلى تفاقم التوتر الذي تحول إلى تمرد شعبي أطاح بـ 4 رؤساء جمهورية. وفوضى لا سابق لعنفها.
من أصل 5 أرجنتينيين يعيش 2 على حافة الجوع والموت
من أصل 5 أرجنتينيين يعيش 2 على حافة الجوع والموت. هذا في الأرجنتين الكبرى.
ماذا عن البرازيل الأكبر؟*
كانت البرازيل تعاني اقتصاديًا من وصفات صندوق النقد الدولي. خضعت لما أملي على الأرجنتين مع فارق أساسي جدًا. تعاقب على السلطة – في البرازيل- فاسد ثم الأكثر فسادًا ثم الافدح فسادًا سلالات فاسدة لا ترعوي عن الارتكاب العلني. وتتشرع الموبقات لنفسها”.
الحكم الرشيد خادم مطيع للخزانة الأميركية ومرتزقيها
أنعم الله على البرازيل بحكم رشيد ونظيف جدًا. أسماء لامعة لا غبار عليها. خريجو جامعات عالمية. معروفون بالعلم والاستقامة والخبرة. وزير خارجيتها فيلسوف هو تلميذ نجيب للفيلسوفة جنة أرندت. وزير. العدل مارس الرفض الثوري وانضم إلى المقاومة المسلحة في البرازيل. شهادة حسن سلوك شرعية. وزير التعليم العالي. كان رئيسًا لجامعة. سكرتير الدولة لحقوق الإنسان كان مقاومًا شجاعًا للدكتاتورية في البرازيل. أطروحته الجامعية هي حول قمع العمال. ثوري بامتياز. هذه النخبة المزاحة انزاحت كلها باستثناء واحد فقط.
ولكن للأسف بعد أن كانوا ينتقدون التوافق مع واشنطن ويقاومون أصبحوا خدمًا مطيعين للخزانة الأميركية ومرتزقتها.
(المرجع: أسياد العالم الجدد” لجان زيغلز.
(الخبير السويسري يوصف بأنه أكثر الخبراء في العالم دراية بأزمة الغذاء والفقر التي اجتاحت العالم. سياسي وعالم اجتماع).
حلت المأساة 22 مليونًا من الفقراء وعدد الضحايا: 44 مليونًا
حلت المأساة: سوء تغذية. عجز. موت. عدد المتضررين من سياسة السلطة آنذاك بلغ 22 مليونًا من الفقراء والجائعين والبلا مأوى. إحصاءات المعارضة قدرت عدد الضحايا بـ 44 مليونًا. المؤتمر الوطني للأساقفة قدر عدد المعدمين بـ 55 مليون إنسان. حقًا كارثة.
الخصخصة، أكبر عملية نصب بأرخص الأثمان
ولأن العنف يصير مذهبًا للفقراء. كان الأغنياء ينتقلون بطائرات مروحية، بالسيارات المصفحات محاطون ومحروسون بميليشيات مسلحة… وبيوتهم خلف جدران عالية جدًا… والفقر يتقدم بسرعة. والسلطة عالجت المأساة الاقتصادية بالخصخصة، والخصخصة واقعًا. هي أكبر عملية نصب يقدم عليها البائع والمشتري. جرى بيع مؤسسات الدولة المنتجة بأرخص الأثمان. القطاعات المربحة بيعت بأقل من ثمنها بكثير باستثناء الشركة الوطنية للنفط حيث تمت حمايتها بقوة- للأسف- بقوة نقابات العمال- البرازيلية-.
خاتمة المشهد البرازيلي
خاتمة المشهد البرازيلي تصلح عنوانًا للورقة الإصلاحية التي تفتقت فيها عبقرية جهنمية غير مسبوقة. ويشهد لها الرئيس البرازيلي كاردوسو بارك- آنذاك. مدير مكتب الرئيس برر العملية بما يلي:
إن شركاتنا العامة قوية ومرغوب فيها جدًا. “لذلك سوف نبيعها لاستخدام ثمنها لإنقاذ الشعب البرازيلي من الفقر.
تايلند
منذ 30 عامًا انفجرت تايلند. أزمة مالية كبيرة أفقدت العملة الوظيفية قيمتها. غادرت الرساميل البلاد سرًا وعلنًا بكثافة: أقدم البنك المركزي على استخدام مئات الملايين من الاحتياطي من الدولارات من أجل شراء العملة الوطنية مقابل الدولار دفاعًا عنها. بعد ثلاثة أسابيع توقف النزف لأنها وجدت نفسها عاجزة عن الدفع.
انتقال العدوى
انتقلت إلى العدوى إلى اقتصادات دول مجاورة: اندونيسيا، تايوان، كوريا الجنوبية. صندوق النقد حاضر ليطبق ويفرض شروطه. فعل ذلك ودفعت تلك خسائر ضخمة. كذلك المكسيك طبقت سياسات مالية ونقدية تسامحية أمام هرب الرساميل والتهرب من الضريبة وفساد المسؤولين وتراكم الديون الخارجية. النتيجة هي في تضخم نقدي. بعد هذه السياسات هدد النسيج الاجتماعي للبلاد صارت البلاد بحاجة ماسة إلى الأفعال.
لجأت الحكومة في المكسيك إلى مقصلة صندوق النقد الدولي الذي فرض على المكسيك ما يلي:
خفض المصاريف العامة. مكافحة التضخم، تجميد الأجور.
بالخصوص المذكور أشار joseph stigilitz (عالم اقتصادي أميركي درس الاقتصاد الجزئي والكلي. أعجب كثيرًا بطريقة التدريس حيث كانت النصوص الرفيقة في الاقتصاد هي المعيار وليس الكتاب نفسه). إلى الإجراءات ذات البعد الواحد التي يطبقها صندوق النقد الدولي: تحرير أسواق المال تحريرًا كاملًا. تدفق رساميل لم توظف لأجل طويل. تأمين الربح السريع والمرتفع عن طريق المضاربة على العقارات. التمويل المتدفق انفق على ناطحات سحاب نمت كالفطر وأبراج ضخمة لكازينوهات وما يشتق منها ونوادٍ للترفيه وأحياء كاملة من شقق للسكن وفيلات ضخمة جدًا.
طشقند تحولت مطارًا للطائرات الأميركية فتدفقت القروض وشطبت الديون
لا أموال بلا سياسة حتى لوجعنا حدث ذلك في طشقند: في العام 1995 قطع صندوق النقد الدولي كل علاقته بهذا البلد لإدارته الكارثية لقروضه. صندوق النقد ليس مستقلًا أبدأ عن إرادة الأدارة الأميركية.
منعت الولايات المتحدة الأميركية تقديم قروض إلى طشقند. غير أن الضرورات في حرب أفغانستان حتمت على واشنطن البحث عن محطة لطائراتها المقاتلة لم يكن أمامها سوى طشقند. فتدفقت القروض وشطبت الديون وعادت عمليات الضخ المالي بأوامر من البيت الأبيض وجورج بوش شخصيًا- تحديدًا.
في لبنان
ما حصل في لبنان ما بعد الحرب كان فقاعة عقارية: أبراج فارغة. فنادق. بناء فخم زاد عن الطلب. وليس في متناول الطبقة الوسطى فتهجرت من مساقط رؤوسها وانتقلت إلى أحزمة من الأبنية المتصلة بحيث أكلت المساحات الزراعية والجبال والشواطئ وشوهت صورة لبنان بالكامل. معظم ما تم عمرانيًا فارغ هكذا حصل في أكثر من بلد. عرض المساحات المبنية زاد الطلب عليها فانفجرت الفقاعة العقارية. هربت الرساميل الأجنبية بالسرعة التي دخلت فيها فإنهار الاقتصاد. لبنان لم يشذ عن القاعدة انفقت الأموال في مشاريع كبيرة لا تتفق مع متطلبات الطبقة الوسطى- سويسرا الشرق- تحولت إلى حي من أحياء سان باولو البائسة. تبًا مرة أخرى. غير أن النصيحة المكتوبة سرية: تطبيق التقشف. تخفيض الإنفاق المجدي وغير المجدي. وقف القروض المصرفية. إذًا لا دواء، لا طاقة، لا فيول، لا مواد غذائية… أنه الحريق الكبير ولا وجود لمن يطفئ هذه الحرائق إلا من أشعلها. الفساد هو العملة الوطنية الرائجة طغيان المال وتوظيفه حكوميًا، يمنع الشفافية والمساءلة. تتساوى في هذا الآمر الأنظمة الديكتاتورية. والأنظمة الديمقراطية الفاشلة. يضاف إلى ذلك اعتماد سياسات اقتصادية تتفق ومنطق الأسواق العالمية بما فيها من رذائل تفرضها تقنيات العولمة الاجتياحية من
“ضرائب” العولمة. سياسة التخلي عن الزراعة والإنتاج الصناعي والتعديل الحاسم على التجارة باتجاه واحد.
ميشال شيحا:” لبنان بلد تجارة بين بضائع البحر وأموال الصحراء. ولبنان نقطة وصل. محطة لا أكثر” “قومسيون” من إرشادات العولمة المؤذية. تمكين المصارف والشركات الكبرى من التحكم بمفاصل الاقتصاد ولا سيما التجارة بحيث تظل الأسواق مفتوحة للاستيراد مقابل تصدير هش وضعف وفقر.
غسان سلامة:” عندنا باعوا الشواطئ مجانًا. فقط عندما يسير الفاسد في الشارع متباهيًا. انظروا إليهم حدقوا بهم بربكم. كيف تطبقون هذا المشهد”. لبنان اليوم وصل إلى الحالة التي شهدتها الدول التي ذكرناها أعلاه…
أما الوصفة التي يصدرها صندوق النقد الدولي هي واحدة لأميركا اللاتينية ولكل الدول التي تواجهها الأزمات المالية والاقتصادية. لا يغير ولا يزيد حرفًا… هل يتعظ من يجب أن يتعظ أولًا.

Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package