
كتب محمد حمية
لا تُشبه عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان هذا العام عودته في الأعوام السابقة لا في الشكل ولا في المضمون، فمُنذ تعليق عمله السياسي في شباط الـ2022، لم تشهد الساحة الداخلية هذه الحركة الإعلامية والتسويقية التي سبقت وصول الحريري الى بيروت، كما لم يعّهد وسط بيروت إحياء مناسبة 14 شباط هذا الحشد الشعبي الغفير المترافق مع سيناريوات تُحاكي العودة الحريرية إلى الحياة السياسية.. كل شيئ كان يدل على أن المشهد كان مختلفاً.. فبالإضافة الى “النيولوك” الذي ميّز إطلالة الحريري “الإبن” هذا العام، والتعبئة الجماهيرية للقواعد “الزرقاء” وترياق “العائد” لضريح والده وجمهوره ومحبيه، كان العطش الحريري للغوص مجدداً الى الحياة السياسية واضحاً، اغروّرقت عينا “السعد” ولم يستطع حبس الدموع التي انهمرت حزناً على والده، لكنه أيضاً بكاءٌ على الأطلال السياسية الغابرة، وشعور بظلم “ذوي القربى” بالإقصاء عن الحكم و”الإرث” السياسي.
أما ما لفت انتباه المراقبين في العودة الحريرية الميمونة، فهو الإخراج الدقيق والممنهج، وكأنه برنامج عمل مضبوط على توقيت جهة ما، على الحريري التقيد به، من الحضور الى لبنان قبل يومين من الذكرى، الى جدول أعمال الزيارات التي اقتصرت على الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي ومفتي الجمهورية واستقبال بعض السفراء والوفود الحزبية والمقربين، إلى جانب الإطلالة المعهودة من على “منبر” “ضريح الرفيق” أمام الحشود.. واللافت أكثر أنه وبعد سنة على الغياب خاطب الحريري جمهوره فقط بكلمات مختارة ومضبوطة على ساعة سياسية “كُتِبت” مسبقاً على ورقة، وكأن من أخرج العودة تحسّب من أن الخطاب الإرتجالي قد يسيل اللُعاب السياسي للحريري بلحظة تخلٍ عاطفية فتخونه الكلمات وتخرج عن الخط المرسوم ويفهم الجمهور بالتلميح ما كتمه الحريري من أسرار وخفايا بالتصريح، منذ لحظة احتجازه في السعودية في تشرين الـ 2017، إلى يوم استقالته من رئاسة الحكومة في تشرين الـ2019، حتى تعليق عمله السياسي في الـ2022.
قال الحريري كلماته المقتضبة ومشى.. وفي “بيت الوسط” أيضاً لم تخرج عن فحوى ما قاله على “الضريح”، أما المقابلات الصحافية فاقتصرت على قناة “الحدث” المعروفة الإنتماء للسعودية تضمنت تلميحاً بمسؤولية حزب الله في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ما يستحضر السؤال: هل يُمكن للحريري الظهور على قناة الحدث من دون إذنٍ سعودي؟ ولماذ تم اختيار هذه القناة بالذات؟ وهل كان الإختيار في الأصل بيده؟ وهل أرسل “الشيخ” لأداء مهمة إعلامية – سياسية فقط؟.
ما بين الإقصاء القسري في الـ2022 والعودة الطوعية المؤقتة في الـ 2024، دارت الأحداث في لبنان والمنطقة دورة كاملة، لكنها لم تصبّ في طاحونة “بيت الوسط”.. فهل كانت “الهمروجة” الإعلامية والسياسية من فعلٍ محلي من الدائرة المستقبلية اللصيقة بالحريري أرادوا حثّ زعيمهم على العودة عبر إثبات زعامته وشعبيته التي لم يستطع أحد انتزاعها من “بيت الوسط”؟ أم أن الحريري التقط من مقر إقامته الدائم في أبو ظبي إشارات ما دفعته للقيام بحركة سياسية معينة للفت الأنظار الإقليمية والدولية للقول “أنا هنا”؟، أم أن جهة خارجية ما أرسلته بمهما معينة؟.
العالمون في بواطن العودة الحريرية يشيرون إلى أنها استندت إلى قراءة سياسية لتطورات المنطقة انطلاقاً من الحرب الدائرة في غزة، إذ أن الحرب ستنتهي بتسوية أميركية – إيرانية سيكون لبنان جزءاً منها بملفيه الحدودي والرئاسي، وبالتالي يريد الحريري أن يكون أحد ركائزها بعدما عجزت التركيبة النيابية الحالية عن إنتاج تسوية بغياب الشريك السني الأقوى في ظل تشتت القوى السنية الأخرى.
وأمام الحريري خيارين للعودة الى الحياة السياسية: الإنخراط في الانتخابات النيابية لكي يتربع على رأس لائحة نيابية عريضة، إما العودة الى السراي الحكومي رئيساً للحكومة. الأول غير واقعي كون الانتخابات المقبلة في الــ2026، وتبقى العودة الى السراي على حصان التسوية الإقليمية، كنقطة تقاطع سعودية – إيرانية مراهناً على الاتفاق الإيراني – السعودي في بكين وعودة الدفئ الى العلاقات بين طهران والرياض.
وتُدعّم هذه القراءة برؤية موازية، تقول إن حركة حماس ستخرج من الحرب منتصرة وأكثر قوة ورقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية والاقليمية، ما سيوسّع المد الحمساوي والإخواني ذات الإمتداد القطري – التركي على حساب الخط السني “المعتدل” السعودي – المصري، وبالتالي أراد الحريري اقتناص الفرصة وتقديم أوراق اعتماده السياسية للخارج وللسعودية أولاً على أنه يمثل خط الاعتدال السني الأقرب للمملكة من خط الإخوان التركي – القطري الحمساوي، إذ أن السعودية لا تملك زعيماً بديلاً عن الحريري في الوقت الراهن لتعيد السنة الى مظلتها السياسية.
تحولت ذكرى 14 شباط الى ذكرى للحريري الإبن أكثر من استذكار الحريري الأب، ورغم الغياب القسري، فقد ثبّت مكانته وزعامته السنية والوطنية وفي المعادلة السياسية الداخلية، وفق ما يقول مستقبليون.. وبالتالي حجز المركز الأول في لائحة المرشحين لرئاسة الحكومة بانتظار الظروف المؤاتية و”كل شي بوقتو حلو” كما قال الحريري.
ولو أن “الشيخ” أدى الفروض السياسية للعودة إلى “بيت الطاعة” السعودي، لكن الحُرم “الملكي الشرعي” الذي رمي عليه لم يُرفع عنه وفق ما يقول سياسي مخضرم.. “الفيتو” مستمر وسيبقى الحريري في “سجنه السياسي” في أبو ظبي، ولن تكون العودة النهائية قريبة.
هل تقبل السعودية أوراق اعتماد الحريري؟.
ثمة من يرُد عودة الحريري إلى إرادة خارجية أميركية – سعودية لإعادة استخدام “الزعيم السني” في الحرب ضد حزب الله مقابل وعود بإعادته الى الحياة السياسية بتغطية خارجية أميركية – سعودية، والهدف إعادة إذكاء نار الفتنة المذهبية عبر استحضار قضية الحريري للقول إن حزب الله الذي يقاتل إسناداً لغزة والذي يحظى بتضامن المزاج السني اللبناني والعربي والإسلامي، هو المسؤول عن مقتل رفيق الحريري، وتكفي كلمات الحريري الإبن للدلالة على ذلك: “القتلة هم معروفون، أعضاء من حزب الله، لأننا لم نكن نريد أن نتسبب بحرب أهلية في البلد، ولكن بعض هؤلاء لاقى حتفه في سوريا وغيرها”، علماً أن الحريري دفع ثمناً كبيراً لرفضه الإنخراط في المواجهة مع حزب الله والحرب المذهبية!.
المصدر : belwasat.com
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package