
كتب نبيه البرجي في صحيفة الديار
صدام الساعات الأخيرة بين رجب طيب اردوغان وبنيامين نتنياهو على أبواب دمشق. حائط الشكوى أو حائط المبكى، البيت الأبيض. الأول رأى أن الخطة “الاسرائيلية” البدء بتفكيك سوريا بدءأ من السويداء، لا بد أن تؤدي الى انتقال العدوى الى تركيا، بالتصدعات الاثنية والطائفية، والثاني يرى أن الوجود العسكري التركي (المقنّع) في دمشق، يشكل خطراً على الأمن الاستراتيجي “الاسرائيلي”، وحيث خطوط التماس لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات .
لا ندري كيف كان الحل الأميركي، ولكن ما يبدو الآن أن تركيا مثل ايران هي في الزاوية “الاسرائيلية”. لنسأل اذا كان لبنان كذلك. بالطبع هناك من يوجه أصابعه، بل أظافره، الى ايران، كونها المسؤولة عن تفجير جبهة الجنوب، بتداعياتها الكارثية على البلاد. وهي المسؤولة عن تخريب العلاقات اللبنانية مع المحيط العربي، كذلك مع العالم الأميركي، ليغدو أقصى ما تبتغيه البيئة الحاضنة عدم الموت تحت الأنقاض، بعدما تولت طهران ادارة الساحة العسكرية، ومنعت حتى من اسقاط طائرات الـ MK التي كانت تقود القاذفات الى أهدافها، لتتحول المدن والقرى الى مقابر .
في ساعات الموت، كنا بحاجة الى ياسوناري كاواباتا اللبناني، الذي يكتب عن هيروشيما اللبنانية “في تلك الثواني التي احترقت فيها السماء”، ليستدرك…”الثواني التي انقطعت فيها علاقاتنا مع الله”.
وكنا قد عرضنا للرسالة التي بعث بها الانكليزي مارك سايكس، أحد قطبي اتفاقية سايكس بيكو الى الأمير فيصل، ابن الشريف الحسين “تلك الجماعة الدنيئة المحتقرة، التي لا تستطيع أي قوة في العالم التغلب عليها”، حين تستوطن أدمغة قادة الغرب، وربما أدمغة العالم. هل حاولتم التجول في رأس جو بايدن، أو في رأس دونالد ترامب. كان محمد الماغوط يقول “لو تجولتم في رأس آدم لعثرتم على ساقي غولدا مئير هناك”!
اذ توقف اللعب الايراني واللعب السوري في الساحة اللبنانية، لا أحد يسأل عن الدور “الاسرائيلي”، وبعدما عشنا الوجه العسكري من هذا الدور، وان قيل أنه المعطف الأميركي على أكتافنا. ولكن ألا يبدو جلياً أن الطريق بين دمشق و”تل أبيب” باتت مفتوحة على مصراعيها؟ لبنان على خطى سوريا …
ما المانع دون ذلك؟ لا أحد هناك سوى الكاوبوي على حصانه. السناتور لندسي غراهام وصف بلاده بـ “حوذي الأزمنة”. وها أننا نرى عباس عراقجي الذي أعجبته الشاورما الدمشقية، ولم يقل ذلك عن الشاورما اللبنانية، يبحث عن طريق، ولو من ثقب الباب، الى واشنطن، وحيث ميريام ادلسون، أرملة الملياردير النيويوركي شلدون ادلسون، تقول ساخرة “سنجعل الايرانيين يصنعون القنبلة النووية من الشعير لا من اليورانيوم”.
كم أخطأنا حين سخرنا من نتنياهو وهو يتوعد بـ “تغيير الشرق الأوسط”. أين لبنان الآن؟ وأين سوريا؟ وأين ايران؟ التي كنا ندرك منذ البداية، أنها تقاتل بجثثنا وتفاوض بجثثنا؟ لكي تتبينوا ما ينتظرنا، لاحظوا كيف يتعامل الأتراك، وكيف يتعامل الأميركيون، وكيف يتعامل العرب مع الغزو “الاسرائيلي” لسوريا، دون صدور أي موقف اعتراضي من أبي محمد الجولاني، الذي هو ممثل الباب العالي على الأرض السورية، وان بدا أن اردوغان بين يدي نتنياهو، مثلما هو بين يدي دونالد ترامب وحتى بين يدي الليدي غاغا .
لم تعد سوريا سوريا. حالة أفغانية، ودون الدفاع، في اي حال عن النظام السابق. تدمير كامل للمؤسسة العسكرية، سلاح الجو وسلاح البحرية وسلاح المدرعات. سكاكين المطبخ لحماية سوريا. كتبنا… نهاية سوريا!!
هكذا الاستسلام لـ “اسرائيل”، والاستسلام لتركيا. هل هكذا تبنى الدولة؟ لنقول ان ما حصل لنا نتيجة القراءة الايرانية العرجاء، ونتيجة الاستراتيجية الايرانية العرجاء. أيضاً نتيجة الايديولوجيا الايرانية العرجاء.
الآن عرفنا لماذا اغتيل السيد حسن نصرالله وكيف، لنسقط ويسقط لبنان وتسقط سوريا في السلة الأميركية، على أن يتم حفل تسلم وتسليم البضاعة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. ما هي حصة رجب طيب اردوغان في هذه الصفقة؟ وقد بات دوره معروفاً في السيناريو الذي بات أمامنا، فكان طوفان الأقصى وما بعده، وها أن حركة حماس تهنئ الأخ أحمد الشرع على ازاحته نظام الأسد. هل كان هناك نظام فعلاً في سوريا ؟ على الطريقة اللبنانية مافيات، وطوائف، وعشائر…
يحق لمن احتفل بسقوط بشار الأسد أن يحتفل. ولكن هل ما حصل، وكان ضرورياً أن يحصل لمصلحة سوريا ولمصلحة لبنان، اذا كنا في حضرة النسخة السورية من حركة “طالبان”، واذا كنا القهرمانات اما في الحرملك أو في الهيكل؟
اذ نقترب من القاء نظرة الوداع على عام 2024 (ولعل العام من يلقي علينا نظرة الوداع)، لا نستطيع وسط هذا الضجيج، أن نرفع صوتنا بكل تلك المرارة، حين يطل علينا القس الأميركي جون هاغي، رئيس جمعية “مسيحيون من أجل اسرائيل”، بالقول “كل أعداء “اسرائيل” قضوا تحت الأنقاض”.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package