
*بقلم المحامي عمر زين
الحمد للّه الذي منَّ علينا بإحيائنا عاماً جديداً نُحيي فيه ذكرى المولد النبوي الشريف، هذه المناسبة العظيمة التي وُلد فيها خيرُ البشر وأكرمُ الخلق، سيدنا محمد صلى االله عليه وسلم، ليكون نوراً أضاء ظلمات الجاهلية، ورحمةً مهداة للبشرية، ومعلّماً للإنسانية أعظم دروس الأخلاق والرحمة والسلام. لقد كان مولده صلى االله عليه وسلم في شهر ربيع الأول حدثاً غيّر مجرى التاريخ، فهو لحظة ينبغي أن نتوقّف عندها طويلاً، نُراجع فيها أنفسنا، ونتأمّل في حياة أعظم إنسان عرفه التاريخ.
فمولده لم يكن فقط حدثاً عابراً في جزيرة العرب، بل بداية لمرحلة فارقة في حياة البشرية جمعاء. لقد جاء صلى االله عليه وسلم في زمن ساد فيه الظلم، وعمّت فيه الجهالة، وانتُهكت فيه كرامة الإنسان، فكان ميلاده إيذاناً بانبعاث النور، وانتصار الرحمة، وإعلاء قيمة الإنسان، أياً كان جنسه أو لونه أو مكانه.
كان صلى االله عليه وسلم إنساناً كامل الخُلق، نقيّ السريرة، محبوباً بين قومه، حتى قبل أن يوحى إليه، وما من لقب عُرف به قبل البعثة إلّا وكان شاهداً على صفاته العالية، فكانوا يلقبونه بالصادق الأمين، ولم يكن أحدٌ يُكذّبه، ولا أحدٌ يخاف غدره، بل كانوا يلجأون إليه لحلّ مشاكلهم، ويفضّلون التحاكم إليه في خلافاتهم. هذا التمهيد الأخلاقي كان إعداداً ربانياً للنَّبيّ صلى االله عليه وسلم ليكون قدوة عملية قبل أن يكون مُبلِّغاً للوحي، ولهذا وصفه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4).
والملفت في هذه الآية أن الله لم يقل: لك خُلق عظيم، بل قال (على خُلُق عظيم)، وكأن الخُلق الرفيع هو مكانة ثابتة للنَّبيِّ صلى االله عليه وسلم، لا يزول عنها ولا يتخلّى.
ومما يميّز مكانة أخلاق النَّبيِّ صلى االله عليه وسلم ليس فقط صفاؤها، بل ثباتها في جميع الأحوال: وقت القوة، ووقت الضعف، مع الأحباب، ومع الأعداء. فيوم فتح مكة، دخلها منتصراً بعد سنوات من الطرد والإيذاء، والتهديد، وقتل أصحابه. كان بإمكانه أن ينتقم، وأن يفرض حكماً شديداً، لكنه لم يفعل، بل وقف أمام أهل مكة، وهم خائفون مذعورون، وقال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال صلى االله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». هذه ليست فقط لحظة تسامح، بل لحظة تأسيس لقيمة جديدة في التعامل مع الخصوم، عنوانها: تقديم الرحمة على الكراهية، والعفو على العقاب.
وكان صلى االله عليه وسلم شديد الرحمة بالناس، في أبسط تفاصيل الحياة. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: «ما خُيّر رسول الله بين أمرين إلّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً». وكان صلى االله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة، فسمع بكاء طفل، خفّف من قراءته رحمةً بأمه. ولم يكن رحمته خاصة بالمؤمنين، بل شملت حتى من آذاه، كما حصل في قصة الطائف، حين طُرد وضرب بالحجارة، وجاءه جبريل يقول له: «لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين»، فقال صلى االله عليه وسلم: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله».
وكان صلى االله عليه وسلم متواضعاً، يجلس مع أصحابه كواحد منهم، ولا يميّز نفسه عليهم، يدخل عليه الأعرابي فيرتعد، فيقول له بلطف: «هوِّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة».
فلنسأل أنفسنا: ما الذي تعنيه لنا ذكرى المولد اليوم؟ هل نُشبهه في شيء؟ هل نسير على خُطاه في تعاملنا؟ هل في بيوتنا من نوره؟ وفي ألسنتنا من لطفه؟ وفي قلوبنا من سَلامه ورحمته؟
في زمن كثُر فيه الهرج والمرج، وتراجعت فيه القِيَم، وارتفعت أصوات التطرف من كل جانب، نحن في أمسّ الحاجة للعودة إلى سيرة النَّبيِّ صلى االله عليه وسلم، لا بوصفها قصة تاريخية نرويها، بل بوصفها منهج حياة نحتاج أن نطبّقه. المولد النبوي ليس يوماً نعلّق فيه الزينة فقط، أو نتبادل التهاني، بل فرصة نُعيد فيها اكتشاف نبيّنا، كيف كان يُحب، ويُعفو، ويبتسم، ويصبر، ويحلم، ويعلّم، ويُصلح. في ذكرى مولد الحبيب صلى االله عليه وسلم، لنجعل من هذه المناسبة نوراً يُضيء دروبنا، ويُذكّرنا بأننا أتباع رجل لم يكن فقط نبياً يُبلّغ وحياً، بل كان إنساناً يُجسّد الرحمة، والمروءة، والعدل، والسلام.
إن ذكرى المولد النبوي ليست مجرد احتفال عاطفي، بل هي وقفة تأمّل واستلهام من سيرة أعظم إنسان وطأت قدماه الأرض. هو نبيُّ الأخلاق، ونبيُّ السلام، ونبيُّ الرحمة.
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) صلَّى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، ما أكرمك، وما أعظمك، وما أحوجنا إليك، في زمنٍ قلّ فيه من يسير حق المسير على هديك ونهجك وأخلاقك. فلنُحيِ هذه الذكرى العظيمة بتجديد محبتنا له، والسير على هديه ونهجه، والاقتداء بأخلاقه.
- الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package