
بقلم المهندس باسل قس نصر الله
خلال نقاهتي من زرع شبكات قلبية .. كنتُ أتأمل بحالي مثل الكثيرين غيري .. أولادنا ليس هنا .. فقط أنا وزوجتي وأصواتهم عبر الهاتف تتطمئن وتشجعني. وكنتُ أتصفّح بصمتٍ مثقل، حين استوقفتني عبارة بسيطة:
“وهيك زادوا البواب المغلقة باب ..”
لم تكن جملة عابرة… كانت مرآة.
واحدٌ يسافر … وآخر يلحق به … ثم عائلة تُغلق بابها، وكأنها تُقفل فصلاً من ذاكرة المكان.
كنتُ، في كثير من الصباحات، أفكّر بزيارة أحدهم …
ثم أتذكّر … أنه سافر.
أُكمل يومي، وكأن شيئاً انكسر بصمت.
أبوابكم المغلقة لا تُغلق وحدها …
إنها تُغلق في صدري أيضاً.
كم مررتُ في تلك الشوارع التي حفظت خطاي …
أنظر إلى الشرفات، إلى النوافذ، إلى الحجارة نفسها …
وكل شيء يهمس: كانوا هنا.
كم فنجان قهوة شربتُه على تلك الشرفة، من يد أمّ جورج؟
وكم ليلة شتاء احتمينا فيها في بيت أنطون، ندرس ونضحك ونحلم؟
كم مرّة اجتمعنا حول مائدة بسيطة، فيها تبولة تُحضّر بمحبة، لا بطقوس؟
حتى ضحكاتنا … كانت أثقل من أن تُنسى.
كانت الأرصفة تعرف أسماءنا،
والشوارع تحفظ أسرارنا،
نرسم مستقبلاً، لا نعلم أنه سيتكسّر على أبواب المطارات.
تزوّجنا … وأنجبنا … وكبرنا …
واليوم …
أمشي وحدي.
أمرّ أمام أبوابٍ أعرفها جيداً …
أبواب لن تُفتح كما كانت …
حتى أوراق النعوات على الجدران … لم تعد فقط إعلان حزن، بل صارت دليل غياب:
“للفقيد أقارب في المهجر…”
وكثرت هذه الأقارب حتى أصبحت تحتلّ كامل الصفحة .. وكأن الوطن صار الهامش، والغربة هي الأصل.
عذرًا يا فيروز
مهما غنّيتِ: “سنرجع يوماً”…
نحن نعرف الحقيقة التي لا تُقال:
هم لن يرجعوا.
سيأتون … نعم،
لكن كزوّار.
سيأتون ليبيعوا بيتاُ
ليلمسوا جداراُ
ليأخذوا صورة
ثم يعودوا إلى حيث أصبحت حياتهم.
سيأتون ليُشبعوا حنيناً مؤقتاً، لا ليعيشوا من جديد.
نعرف… حتى لو كذبنا على أنفسنا، بأن العودة ليست إلا فكرة جميلة … لا أكثر.
كنائسنا لن تمتلئ بوجوههم كما كانت، وساحاتنا لن تعود تضجّ بخطواتهم، ومقاهي الأمس ستبقى تنتظر من لا يأتي.
نحن، الذين بقينا…
سنحمل ذاكرةً أثقل من قدرتنا على احتمالها.
سنحفظ التفاصيل الصغيرة،
وسنحكي عن زمنٍ كان حيّاً
لكننا لن نخدع أنفسنا:
لن يعود كل شيء كما كان.
نعم …
الأبواب المغلقة تزداد.
وليس في الأمر مبالغة، بل وجعٌ يتّسع.
اللهم اشهد بأنني قد بلّغت.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package