
بقلم: نورا علي المرعبي
أخطر ما قد يفعله الانهيار بالمجتمعات، أنّه لا يقتلها دفعةً واحدة، بل يدرّبها تدريجيًا على التعايش معه.
في لبنان، لم تعد الأزمة تُقاس فقط بانهيار العملة، أو تفكك المؤسسات، أو تراجع المؤشرات الاقتصادية.
فالانهيارات الكبرى لا تبدأ حين تسقط الأنظمة المالية فحسب، بل حين يبدأ الإنسان نفسه بفقدان قدرته الطبيعية على الشعور بأنّ ما يحدث غير طبيعي أصلًا.
ما يشهده المجتمع اللبناني اليوم يتجاوز مفهوم “الأزمة” بالمعنى السياسي أو الاقتصادي التقليدي، ليدخل في إطار أكثر تعقيدًا يمكن توصيفه بـ”إعادة تشكيل الوعي الجمعي تحت الضغط المزمن”.
وهي حالة نفسية ـ اجتماعية تنشأ عندما يتعرّض مجتمع كامل لفترات طويلة من القلق الوجودي، وعدم الاستقرار، والخوف الاقتصادي والأمني، داخل بيئة رقمية كثيفة التدفق والانفعال.
في هذا النوع من البيئات، لا يتغيّر السلوك العام فقط، بل تتغيّر البنية الإدراكية نفسها؛ أي الطريقة التي يُفسّر بها الإنسان الواقع، ويستجيب عبرها للخطر، ويُعيد من خلالها تعريف الطبيعي والمقبول والمحتمل.
وفق تقرير Digital 2025 الصادر عن DataReportal، بلغت نسبة استخدام الإنترنت في لبنان أكثر من 91% من السكان، فيما يستخدم ما يقارب 69% من اللبنانيين وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن ارتفاع معدلات الاتصال الرقمي، بل تكشف انتقال المجتمع اللبناني إلى فضاء نفسي وإدراكي جديد، أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءًا مباشرًا من تشكيل الانفعالات الجماعية، وإدارة الانتباه العام، وإعادة إنتاج الخوف والقلق والسلوك الاجتماعي بشكل يومي ومتواصل.
لقد تحوّلت الهواتف الذكية من أدوات تواصل إلى بيئات نفسية كاملة.
فاللبناني اليوم لا يستهلك الخبر فقط، بل يعيش داخل تدفّق مستمر من الصدمات الرقمية المتلاحقة: انهيار مالي، توتر أمني، خطاب سياسي متشنج، محتوى غاضب، حملات تضليل، مشاهد عنف، وسخرية جماعية تتحول تدريجيًا إلى لغة يومية لإدارة القلق العام.
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف هذا النمط بـ”الضغط الصدمي المزمن”، وهو أحد أخطر أشكال الاستنزاف النفسي طويل الأمد، إذ يؤدي التعرّض المستمر للتهديد وعدم اليقين إلى إنهاك الجهاز الإدراكي والعاطفي للإنسان، وإضعاف قدرته على التفاعل الصحي مع الأحداث.
ومع الوقت، يبدأ المجتمع بالدخول في حالة تُعرف بـ”التبلّد العاطفي الجمعي”، حيث يفقد الأفراد حساسيتهم الطبيعية تجاه الكوارث بسبب التكرار المفرط للصدمة. حين يصبح خبر الفقر مألوفًا،
والخوف يوميًا، والهجرة مشروع حياة، والفساد تفصيلًا عاديًا، والانهيار مادة ساخرة قابلة للمشاركة والتداول.
وهنا تحديدًا تتحوّل السخرية من ظاهرة ثقافية إلى مؤشر نفسي واجتماعي بالغ الخطورة.
فالسخرية الجماعية في المجتمعات المرهَقة ليست دائمًا دليل خفّة دمّ أو قدرة على التحمّل، بل قد تكون آلية دفاع معرفية وعاطفية يستخدمها العقل لحماية نفسه من الانهيار الكامل.
وحين يعجز الإنسان عن تغيير الواقع، يبدأ بإعادة تدوير ألمه على شكل نكات، وميمز، وسخرية رقمية، تمنحه شعورًا مؤقتًا بالسيطرة على واقع فقد القدرة على احتماله.
لكن الخطير في هذا النمط أنّه قد يؤدي تدريجيًا إلى “تطبيع الانهيار”؛ أي انتقال المجتمع من رفض الكارثة إلى التكيّف معها بوصفها جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية.
في علم الاجتماع الرقمي، تُعتبر هذه الحالة من أخطر نتائج البيئات عالية الاضطراب، لأنّها تُنتج مجتمعات تفقد تدريجيًا قدرتها على التمييز بين ما هو استثنائي وما هو طبيعي. وحين تفقد المجتمعات قدرتها على الصدمة، تبدأ الكارثة بالتحول من حدثٍ طارئ إلى بنية دائمة داخل الوعي الجماعي.
الأخطر تربويًا، أنّ الأجيال الناشئة اليوم تتكوّن نفسيًا ومعرفيًا داخل هذا المناخ الرقمي المضطرب.
فالطفل أو المراهق الذي ينمو وسط تدفّق دائم للمحتوى المتوتر، والانفعالات الحادة، والخوف الاقتصادي، والسخرية السوداء، يتشكّل وعيه ضمن بيئة تفتقر إلى الاستقرار النفسي والمعرفي الضروري لبناء التفكير النقدي السليم، والشعور بالأمان الاجتماعي، والثقة بالمستقبل.
وهذا ما يفسّر تصاعد مؤشرات القلق، والانفصال العاطفي، وفقدان الدافعية طويلة الأمد لدى فئات واسعة من الشباب في المجتمعات المأزومة رقميًا واقتصاديًا.
لقد دخل لبنان مرحلة لم تعد فيها الأزمة أزمة حكم أو اقتصاد فقط، بل أزمة مناعة نفسية واجتماعية ومعرفية.أزمة مجتمع يعيش فائضًا هائلًا من المعلومات، مقابل نقص خطير في المعنى، والاستقرار، والقدرة على المعالجة العميقة.
ومن هنا، فإنّ أي مشروع إنقاذ حقيقي للبنان لا يمكن أن يقتصر على الإصلاح المالي أو الإداري وحده، بل يجب أن يشمل إعادة بناء الوعي الجماعي، وتعزيز التربية الرقمية، والصحة النفسية المجتمعية، والقدرة النقدية للأفراد تجاه المحتوى والانفعال والخطاب الرقمي.
لأنّ المجتمعات لا تنهار فقط حين تخسر اقتصادها،بل حين تعتاد نفسيًا على فكرة الانهيار.
وحين يصبح التبلّد وسيلة نجاة وطنية،تتحوّل الكارثة من حدثٍ استثنائي… إلى هوية جماعية.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package