
بقلم: المحامي عمر زين
في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية المنددة بهذه الاعتداءات من خلال بيانات الإدانة والاستنكار والتضامن. ورغم ما تحمله هذه البيانات من أهمية سياسية ورمزية تؤكد رفض المساس بسيادة الدول العربية، فإنّها غالباً ما تبقى عاجزة عن إحداث أثر عملي يتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها المنطقة، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النظام العربي على الانتقال من مرحلة التضامن الخطابي إلى مرحلة العمل الجماعي الفعّال القادر على حماية المصالح العربية وصون السيادة الوطنية للدول الأعضاء.
ولا تقتصر أهمية هذا التساؤل على اعتبارات سياسية أو استراتيجية فحسب، بل تمتد إلى المجال القانوني الدولي، ذلك أنّ حماية سيادة الدول لا تمثل مجرد خيار سياسي، وإنما تشكل قاعدة أساسية من قواعد القانون الدولي العام. فقد قام النظام القانوني الدولي المعاصر على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وعلى حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، كما كرّس مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول باعتباره أحد المرتكزات الجوهرية لاستقرار المجتمع الدولي وضمان السلم والأمن الدوليين. ومن ثمّ، فإنّ أي اعتداء على سيادة دولة عربية لا يمسّ مصالحها الوطنية فحسب، بل يشكل أيضاً انتهاكاً لقواعد قانونية دولية ملزمة تستوجب اتخاذ إجراءات جماعية تتجاوز حدود الإدانة السياسية المجردة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ البيانات السياسية لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا إذا اقترنت بآليات تنفيذية واضحة وقابلة للتطبيق، إذ أثبتت التجارب الدولية أنّ التضامن غير المدعوم بإجراءات عملية يبقى محدود الأثر في مواجهة التحديات الأمنية والاستراتيجية. ولذلك، فإنّ حماية الدول العربية من التهديدات المتزايدة تقتضي إنشاء آليات عربية فعّالة للاستجابة السريعة للأزمات، تتولى تقديم الدعم المالي واللوجستي والفني للدول التي تتعرض لاعتداءات أو أزمات تمس استقرارها وسيادتها، فضلاً عن توحيد المواقف الدبلوماسية العربية في المحافل الدولية بما يعزز من قدرتها على التأثير في القرارات الدولية والدفاع عن مصالحها المشتركة. كما تبرز الحاجة إلى إنشاء صناديق عربية متخصصة لدعم الدول المتضررة من النزاعات والاعتداءات الخارجية وتمويل مشاريع إعادة الإعمار وحماية البنى التحتية الحيوية، بما يحدّ من آثار الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تتعرض لها.
كما أنّ القانون الدولي لا يقف عند حدود الاعتراف بسيادة الدول، بل يتيح للدول إنشاء منظمات إقليمية تتولى حماية الأمن والاستقرار في نطاقها الجغرافي. وقد أكد ميثاق الأمم المتحدة هذا التوجه من خلال إقراره بدور التنظيمات الإقليمية في حفظ السلم والأمن الدوليين. ومن ثمّ، فإنّ العمل العربي المشترك لا يمثل مجرد إطار سياسي للتشاور والتنسيق، بل يشكل تطبيقاً لمبدأ التعاون الإقليمي المعترف به في القانون الدولي، الأمر الذي يفرض ضرورة تطوير مؤسساته وآلياته بما يمكنه من الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في مواجهة التحديات المشتركة.
ولا يقتصر مفهوم الأمن في العصر الحديث على البعد العسكري التقليدي، بل أصبح يشمل مجالات جديدة تشكل جزءاً لا يتجزأ من مفهوم السيادة الوطنية، وفي مقدمتها الأمن السيبراني وحماية الفضاء الرقمي. فالهجمات الإلكترونية وعمليات التجسس الرقمي واستهداف البنى التحتية المعلوماتية أصبحت أدوات تستخدم لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وأمنية، الأمر الذي يفرض على الدول العربية بناء نظام متكامل للأمن الرقمي وتبادل المعلومات والخبرات التقنية، إلى جانب تطوير الصناعات الدفاعية وتعزيز برامج التدريب والتنسيق الأمني المشترك بما يرفع مستوى الجاهزية الجماعية ويعزز القدرة على مواجهة التهديدات المستجدة.
وفي موازاة ذلك، يثور تساؤل مشروع حول أسباب محدودية فعالية المجالس والهيئات العربية والاتفاقيات الثنائية والثلاثية ومتعددة الأطراف التي أبرمت بين الدول العربية في مختلف المجالات. والحقيقة أنّ الإشكالية لا تكمن في نقص المؤسسات أو الاتفاقيات، بل في ضعف آليات التنفيذ والمتابعة والمساءلة. فقد شهد النظام العربي إنشاء العديد من المؤسسات المتخصصة وإبرام عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والقانونية والثقافية، إلا أنّ نسبة مهمة منها لم تحقق النتائج المرجوة بسبب غياب الإرادة السياسية الموحدة، وتفاوت الأولويات الوطنية، وضعف الأجهزة الرقابية والتنفيذية القادرة على متابعة الالتزامات وضمان تنفيذها.
ويزداد هذا الواقع أهمية إذا ما نظرنا إليه من زاوية القانون الدولي، إذ إنّ فعالية المنظمات الإقليمية لا تقاس بعدد الاتفاقيات التي تعتمدها، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الاتفاقيات إلى التزامات قانونية نافذة وآليات مؤسسية قادرة على ضمان احترامها. ولذلك فإنّ تعزيز فعالية العمل العربي المشترك يقتضي تطوير آليات اتخاذ القرار، وإنشاء أجهزة متخصصة لمراقبة تنفيذ القرارات والاتفاقيات، وتعزيز دور الهيئات القضائية وآليات التحكيم العربية لتسوية المنازعات وضمان احترام الالتزامات المشتركة. كما أنّ ربط برامج الدعم والتمويل بمستوى الالتزام بالتعهدات العربية يمكن أن يشكل أداة فعالة لتحويل التعاون العربي من إطار سياسي إلى منظومة مؤسسية منتجة.
كذلك، فإنّ استمرار الاعتداءات على سيادة بعض الدول العربية يثير مسألة المسؤولية الدولية، إذ يترتب على كل انتهاك لقواعد القانون الدولي التزام قانوني بوقف الفعل غير المشروع وعدم تكراره وتعويض عن الأضرار الناجمة عنه. ومن ثمّ، تستطيع الدول العربية، بصورة جماعية، توظيف الآليات القانونية الدولية المتاحة من خلال التحرك داخل المنظمات الدولية، ودعم المساعي القضائية والتحكيمية، وتوثيق الانتهاكات وفقاً للمعايير القانونية الدولية، بما يعزز من قدرتها على حماية مصالحها والدفاع عن حقوقها في إطار الشرعية الدولية.
ويُعدّ السؤال المتعلق بكيفية تحويل العلاقات الأخوية بين الدول العربية إلى علاقات مصلحية مستدامة من أهم الأسئلة المرتبطة بمستقبل المنطقة العربية. فالتجارب الإقليمية الناجحة لم تقم على الروابط التاريخية والثقافية وحدها، بل استندت إلى شبكة متكاملة من المصالح الاقتصادية والمؤسسات الفاعلة والالتزامات القانونية الملزمة. ولذلك فإنّ بناء نموذج عربي أكثر فعالية يقتضي الانتقال من خطاب الأخوة والتضامن إلى بناء مصالح استراتيجية مشتركة تجعل ازدهار كل دولة عربية مرتبطاً بازدهار الدول الأخرى، من خلال تطوير سوق عربية مشتركة حقيقية، وتعزيز مشاريع الربط في مجالات النقل والطاقة والاتصالات والبنية التحتية، وإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات التكنولوجيا والصناعة والبحث العلمي والأمن الغذائي والمائي، فضلاً عن تسهيل انتقال الكفاءات والخبرات والاعتراف المتبادل بالمؤهلات العلمية والمهنية.
وفي المحصلة، فإنّ التحدي الحقيقي الذي يواجه الدول العربية لا يتمثل في نقص البيانات السياسية أو غياب الاتفاقيات والمؤسسات، بل في القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى التزامات قانونية وآليات تنفيذية فعّالة. فلا تتحقق حماية السيادة العربية بمجرد الإدانة والاستنكار، وإنما من خلال بناء نظام عربي متكامل للأمن والتنمية والتعاون الاقتصادي تستند إلى قواعد القانون الدولي ومبادئ التعاون الإقليمي، وقادرعلى تحويل الروابط التاريخية والثقافية المشتركة إلى شبكة مصالح استراتيجية مستدامة. وعندما يصبح الأمن العربي مصلحة جماعية، والتنمية العربية مشروعاً مشتركاً، والتكامل الاقتصادي التزاماً مؤسسياً وقانونياً، فإنّ العلاقات العربية ستنتقل من مرحلة التضامن الرمزي إلى مرحلة الشراكة الفعلية القادرة على حماية مصالح الشعوب العربية وتعزيز مكانتها في النظام الدولي المعاصر.
الأمين العام السابق لإتحاد المحامين العرب
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package