لغة التخوين لا تجدي الحوار الوطني ملحّ

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في صحيفة الجمهورية
ثمة لغة في التخاطب السياسي لم يعُد مسموحاً الاستمرار في استخدامها، وفي مقدّمها لغة التخوين والتشكيك، والحُكم على النيات قبل الأفعال. ولا يعني ذلك إطلاقاً أنّ حرّية الرأي والاعتقاد والاختلاف والنقد يجب أن تكون مقيّدة. ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، لم يرفض الانتقاد الذي سيق لـ»صيغة الإطار»، لكنّه يرى أنّ له الحق في الدفاع عنه، كما أنّ لرافضيه الحق في تفنيده وإظهار ثغره، والدلّ إلى مواطن الخلل فيه. سياسة
والرئيس عون لا يرى ما يمنع أن يدعو السياسيّين، والنقابات، والإعلاميّين لشرح ما جرى في واشنطن والإضاءة على الأسباب التي حملت الجانب اللبناني على الموافقة على «صيغة الإطار» الذي أصبح في مهداف القوى السياسية المؤيّدة والمعارضة له.
يمكن للانتقاد المساق للصيغة أن يكون لاذعاً وشديد القسوة، من دون توسل التخوين والتحريض والتهديد. كما يمكن أن تكون لغة الذائدين بالمستوى نفسه من القسوة، من دون توصيف أصحاب الرأي المعارض بالإرتهان لمحور خارجي، وتنفيذ «أجندات» مشبوهة. مراجعجغرافية
إنّ تبادل التصعيد الكلامي القائم على اتهامات مبالغ فيها، يفتح الباب أمام مناخ فتنوي أحوج ما تكون البلاد في غنى عنه. وهو أمر يجب أن يتداركه العقلاء في أي جانب كانوا، وقطع الطريق عليه، لئلّا تصبح أضراره وتداعياته عصية على المعالجة.
الرئيس نبيه بري الرافض بشدّة لـ»صيغة الإطار»، والذي وقف له بالمرصاد مفنّداً مآخذه عليه، لم يخرج عن جادة الانتقاد السياسي من دون أي مكاسرة لفظية أو تجريح. على أنّ الجنوح إلى الاستهداف المباشر بتعابير تخرج عن الأدبيات المسوّغة في العمل السياسي، لا يقدِّم أي إضافة سوى زيادة التوتر واتساعه، وإشاعة مناخات الفتنة التي لا تؤدّي إلّا إلى تعميق الشروخ في الداخل، وتهديد السلم الأهلي. ومَن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي والجيوش الإلكترونية التابعة لهذا الفريق وذاك، وما فيها من تفلّت غرائزي وما تتضمّن من نابي الكلام، يستنتج أنّ حرباً ضروساً ميدانها الإعلام ووسائل التواصل، تنوب عن العمليات العسكرية أرضاً، بحراً وجواً.
وسط هذه الأجواء المحمومة لا بُدّ من ملاحظة الآتي:
أ – هناك خشية فعلية من صدام داخلي تتسبَّب به الإنقسامات العميقة في ظل غياب الحوار الوطني.
ب – مجاهرة الأفرقاء على تباين آرائهم وتباعدها، بالحرص على السلم الأهلي وعدم الإنجرار إلى الفتنة.
ج – الإجماع على الدور الوطني للجيش اللبناني، والذي سيتبلور أكثر فأكثر في طالع الأيام، كونه صمام الأمان وحامي وحدة لبنان واستقلاله، والرافض أن يكون أداة لأي مشروع يتناقض مع عقيدته وثوابته، وأولها رفض الفتنة ورصد كل مَن يعمل على إيقاظها وإحباط خطته.
إنّ التصعيد المتفلّت من أي ضوابط لا يخدم سوى إسرائيل، التي تجيد الاستثمار في الفتنة الداخلية وتعمل على الإفادة منها إلى أبعد الحدود، ولو أنّ ذلك لا يعكس رغبة أطراف التصعيد. من هنا، فالحاجة ماسّة لمؤتمر حوار وطني لا يستثني أحداً من القوى الرئيسة، يُعقَد في القصر الجمهوري، تُطرَح فيه جميع المسائل الخلافية والإشكالية، ويعرض فيه كل طرف هواجسه ومخاوفه ونظرته إلى هذه المسائل، وذلك من أجل استيلاد رؤية وطنية شاملة، تحصّن الثوابت التي لم يعلن اللبنانيّون تنصُّلهم منها والتنكُّر لها، وتكون رافعة لكل خطة إنقاذية.
إنّ ألف باء الإنطلاق نحو تبنّي خطاب إيجابي يساعد على تطويق السلبيات وامتصاصها، يبدأ بتجاوز خطاب الكراهية، ووقف لغة التخاطب الراهنة التي لا تولِّد إلّا أحقاداً متبادلة، لا تقود إلى الاستقرار، بل تؤجِّج الصراع وتضع البلاد أمام منعطف أكثر خطورة.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.