
بقلم المحامي عمر زين
حين أراد رب العالمين أن يخاطب الإنسان في القرآن الكريم، كانت أول كلمة من الوحي: «اقرأ». ولم تكن هذه الكلمة الأولى عبثاً، فالقراءة هي الباب الأول إلى المعرفة، والمعرفة هي الطريق إلى الوعي، والوعي هو أساس بناء الإنسان الحر القادر على معرفة حقوقه وواجباته.
ومن هنا تأتي أهمية اليوم الدولي لمحو الأمية، الذي يصادف في الثامن من أيلول من كل عام، ليذكّر العالم بأن التعليم والقراءة والكتابة ليست امتيازاً، بل حق أساسي من حقوق الإنسان.
ورغم التقدم الذي حققته البشرية في مجال التعليم، لا تزال الأمية مشكلة حقيقية في العالم. وتشير بيانات اليونسكو إلى أن نحو 739 مليون بالغ حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية، وتشكل النساء نحو ثلثي هذا العدد. أما في الدول العربية، فقد أظهرت بيانات اليونسكو أن معدل معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين بلغ نحو 79% في عام 2015، أي أن الأمية كانت تقارب 21% في ذلك الوقت.
وهذه الأرقام لا ينبغي أن تكون مجرد إحصاءات، لأن وراء كل رقم إنساناً حُرم من فرصة التعلم، وقد يكون طفلاً أو امرأة أو شاباً يعيش على هامش المجتمع.
والأمية اليوم لم تعد تعني فقط عدم القدرة على قراءة كتاب أو كتابة جملة. فقد دخلنا عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وظهرت الأمية الرقمية، حيث أصبح الإنسان بحاجة إلى القدرة على استخدام التكنولوجيا وفهم المعلومات وتمييز الصحيح من المضلل.
وفي عالمنا العربي، كما في لبنان، تصبح مواجهة الأمية أكثر إلحاحاً في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي انعكست على المدارس والعائلات والطلاب. فلا يجوز أن يتحول الفقر إلى سبب لحرمان طفل من التعليم، ولا أن تصبح المدرسة امتيازاً لا يستطيع الوصول إليه إلا القادرون.
إن محو الأمية مسؤولية الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة والجامعة، وهي مسؤولية لا تنتهي بإطلاق حملة أو الاحتفال بيوم عالمي، بل تحتاج إلى سياسات تعليمية مستمرة تصل إلى كل المناطق والفئات، ولا سيما الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً.
كما أن محو الأمية يرتبط بالعدالة وسيادة القانون. فالإنسان الذي يستطيع القراءة والفهم يكون أكثر قدرة على معرفة حقوقه، وقراءة العقود والوثائق، وفهم القوانين والقرارات، والمطالبة بحقه والدفاع عنه.
لقد كانت كلمة «اقرأ» أول الطريق إلى المعرفة، وما أحوج عالمنا اليوم إلى أن يجعل منها منهجاً في بناء الإنسان.
فمحو الأمية ليس محو كلمات من صفحات، بل هو محو للجهل والتهميش، وفتح لأبواب الكرامة والوعي والحرية.
ولذلك، فإن معركة محو الأمية ليست معركة التعليم وحده، بل هي معركة الإنسان من أجل أن يعرف، وأن يفهم، وأن يختار، وأن يصنع مستقبله.
فحيث تبدأ القراءة، يبدأ الوعي؛ وحيث يبدأ الوعي، يبدأ طريق الحرية.
*الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package