أخبار عاجلة

أوزراء للسلم أم للحرب

أوزراء للسلم أم للحرب *
بقلم د.حسن صعب

السائد في العرف السياسي الديموقراطي، أن وزارات الإنقاذ الوطني تؤلف في حالات الطوارىء، لمواجهة خطر على الوطن من الداخل أو من الخارج. ولربما كان خطر أزمة اقتصادية أو خطر عدوان عسكري .. فتؤلف وزارة ائتلاف وطني تعبّىء جميع القوى السياسية، لتدفع بسياسة واحدة الخطر الذي يتهدد الوطن والأزمة التي تعتريه.
ولبنان يعاني منذ عام 1975 أخطر أزمة تعتري أمة أو دولة ما، أزمة الانهيار الكياني، بفعل الأخطار الداخلية والخارجية مجتمعة. وحكومة الإنقاذ الوطني هي حكومة وقف هذا الانهيار، وإعادة بناء لبنان من جدبد. ولذلك يمكن أن يوصف أعضاؤها بأنهم صانعو تاريخ جديد للبنان جديد.
وصناعة التاريخ المنشودة من قبل الشعب اللبناني، بعد عشر سنوات من الحروب الضاربة على أرضنا الوارفة، هي صناعة السلم لاصناعة الحرب. وحكومة الرئيس كرامي هي ابنة مهادنة متطورة إلى مسالمة. ولئن اشترك فيها بعض أقطاب حروب السنوات العشر، فإن هذا الاشتراك هو نتيجة الثقة بقدرهم على تطوير لبنان من حال الحرب إلى حال السلم. ولذلك فإنهم في الحكم وزراء سلم لا وزراء حرب. والحرب الوحيدة الجائزة لهم بل الواجبة عليهم هي حرب تحرير لبنان من العدو الإسرائيلي المحتل. ولكنهم يشنوّن هذه الحرب صفّاً واحداً على صعيد المقاومة الوطنية الشاملة وعلى مختلف الصعد السياسية والإعلامية والإنمائية.
إن حكومة الإنقاذ الوطني هي حكومة تحرير لبنان من الحرب إلا ما توجّب منها ضد العدو المحتل. وهذا شأن بديهي في فلسفة الحكم منذ أول عهد الإنسان بالدولة حتى اليوم. فحفظ الأمن هو الوظيفة الأولى للدولة مهما توسعت وتنوعت وظائفها الأخرى في العصر الحديث. ومعنى الأمن الحقيقي هو السلام المدني بين المواطنين. وحكومة الإنقاذ الوطني هي حكومة إعادة بناء لبنان ابتداءً من إعادة الأمن إلى ربوعه المحررة. والاشتراك في الحكم يفترض التزام المشترك أيّاً كان، بتسوية الأزمة اللبنانية لا بتصعيدها. ويفترض أيضاً بأن هذه التسوية يمكن بل يجب أن تتحقق في جو من الأمن والسلام. ويفترض أيضاً أن المشترك فيها قادر على فرض هذا الالتزام بالأمن وبالتسوية السليمةة على أتباعه قبل أخصامه.
تلك هي فلسلفة وجود حكومة الإنقاذ الوطني، كما نفهمها. إنها حكومة سلم لا حكومة حرب. بل إنهاء الحرب ومعالجة أسبابها وعواقبها معالجة عقلانية لا معالجة انفعالية .. وأما انقلاب حكومة وزراء السلم إلى حكومة وزراء حرب، حرب تبدأ داخل مجلس الوزراء، وتمتد منه إلى الإعلام، وتنفجر بعد ذلك قذائف في وجوه أبناء الشعب الأبرياء هنا وهناك، إن مثل هذا الانقلاب هو مفارقة من مفارقات السلوك السياسي، التي أودت بنا إلى الدرك الذي انحدر إليه لبنان عام 1975 حتى الآن. ولعلها مفارقة تنتج عن مفارقة أخرى، وهي توقّع تحول الزعماء المتقاتلين خارج مجلس الوزراء إلى وزراء متسالمين داخل هذا المجلس.
ولكن هذه المفارقة ليست بدعة سياسية في لبنان ولا في غيره من الدول. ففي عام 1943 تحول المتصارعون حول استقلال لبنان وهويته إلى آباء للاستقلال اللبناني في ظل الميثاق الوطني، واستطاعوا أن يؤلف فريقاً وزارياً واحداً حرّر لبنان من الاحتلال الأجنبي تحريراً شاملاً. وفي عام 1959، تحوّل زعماء الحرب الأهلية لفريق وزاري لإعادة السلم وبناء الدولة العصرية. وظروفنا وأحوالنا وظروف منطقتنا وأحوالها عام 1984هي غير ما كانت عليه عام 1943 وعام 1959. ولكن التجربة الذاتية المتجلية فيما جرى في الماضي تظل هادية لنا فيما يمكن أن يجري اليوم أو في الغد. إن المتصارعين والمتحاربين عامي 1943
و 1959 تحولوا إلى متحاورين، فلماذا لا يقتدي وزراؤنا المتحاربون عام 1984، لينقلبوا هم أيضاً لوزراء متحاورين داخل مجلس الوزراء وخارجه؟
إن التحاور هو أعسر من التحارب. إن التحاور يتطلب إيماناً حقيقيّاً بالله والإنسان وبالعقل وبلبنان وبديموقراطيته وبعروبته وبحضاريته وبديمومته. والمحاور في سبيل هذه الثوابت الوجودية اللبنانية هو أشقّ مهمة وأعظم شأناً من المحارب في سبيلها. نعم إن بطل السلم هو أعظم من بطل الحرب. والمحاور هو أعظم من المقاتل. ولا يشنّ الحرب من أجل الحرب إلا مختلّ العقل. والأقرب إلى العقل أن تشنّ الحرب في سبيل سلم أفضل. فلا ضير على زعمائنا إذا انقلبوا من أبطال حرب إلى أبطال سلم. فتلك هي البطولة الحقة التي يريدها الشعب اللبناني، بعد أن كاد يفقد كل شيء في حرب بعد الأخرى. أبطال السلم المتحاورون هم صانعو تاريخ لبنان الجديد. وأما أبطال الحرب، فإنهم إفرازات ماضيه البالي.
اغتصب لبنان منذ عام 1975 ميداناً لحروب الآخرين واحدة بعد الأخرى. ونال عطف العالم كضحية لهذه الحروب. فإذا أصبح الآن ميداناً لحروب وزرائه، فهذا ما لايمكن أن يغتفره لنفسه وما لا يمكن أن يغتفره له أحد. وأي خير يمكن أن نتوقعه من أحد، والكل يشهد حكومة إنقاذنا الوطني حكومة تحارب وزاري؟ إن من حق وزرائنا أن يختلفوا حول قضايانا العامة. فالاختلاف في الرأي هو من طبائع السياسة. ويشتد هذا الاختلاف لدى بحث تغييرات نوعية في النظام بعد حروب السنوات العشر الدامية. ولكن تأليف حكومة الإنقاذ الوطني بعد التهادن. بمساعدة الشقيقة سوريا، يعبّر عن تصميمنا على تسوية جميع اختلافاتنا بالتراضي والإقناع لا بالتغلب والإكراه.
إننا لا نتعرض هنا لأشخاص الوزراء ولا لذوات الحكام. ولكننا نتناول التناقض القائم بين الالتزامات والمواقف والتصرفات في الفترة الراهنة. إنها فترة تحوّل لبنان من حال الحرب لحال السلم. ذلك ما يريده الشعب اللبناني. وذلك ما يريده الشعب العربي. وذلك ما تريده لنا سائر شعوب العالم. وتحمّل مسؤولية الحكم يعني الالتزام بتصيير السلم الوطني حقيقة لبنان الحية، وتلك هي مسؤولية كل عضو في حكومة الإنقاذ الوطني. وهي مسؤولية عامّة لأعضاء الحكومة مجتمعين ومتضامنين. وما لم يكونوا مقتنعين جميعاً بذلك اقتناعاً ذاتياً صادقاً، فلن يجدي أي ميثاق شرف وزاري في وقف “حرب الوزراء”، ولن يجدي أي تدبير لوقف حرب لبنان وقفاً نهائياً. في البدء يكون السلم الوزاري وينبثق منه السلم الوطني.
إن الوزير القادر هو الآن الوزير الأقدر على مواجهة أتباعه قبل أخصامه، فيما تتطلبه تصفية حروب السنوات العشر من تناسيات متبادلة، وفيما يقتضيه تدارك مساوىء نظام الأربعين عاماً من توافقات متراضية، وفيما تستدعيه إعادة لبنان إلى مستوى الدول المتحضرة من تضحيات متشاركة. القائد اللبناني المنشود الآن هو القائد العقلاني لا الزعيم الانفعالي، والحاكم اللبناني المنشود هو الحاكم التاريخي لا الحاكم الظرفي، والوزير اللبناني المنشود هو الوزير الوطني لا الوزير الطائفي. نريد أبطال سلم لا أبطال حرب. فهل يسود هولاء الأبطال ليبقى لنا لبنان أم تستمر سيادة أبطال الحرب ليزيلوه؟

  • مقال من مذكرات المفكر اللبناني الراحل الدكتور حسن صعب.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

“بيني وبينك”… مريم رعد تغني للحب الذي ينتصر على الخلافات

أطلقت الفنانة مريم رعد أغنيتها الجديدة “تكرم عينك” باللهجة اللبنانية، حاملةً في طياتها رسالة عاطفية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.