تجربَة نَدوَة فوَطن

هل يمكن استرداد صورة حياة وطن، مدى نصف قرن، من تجربة هيئة من هيئاته العلمية التطوعية ؟
الحياة هي تجربة الخطأ والصواب !
تلك هي حياة البشر مجتمعا وافرادا !
وذلك هو الوطن في كينونته وصيرورته !
فهل تكون تجربة احدى هيئاته مصغرا لمعاناته الخطأ والصواب، والالم والامل ؟
انشئت ندوة الدراسات الإنمائية عام 1964، لاشاعة التوعية الانمائية بين المواطنين محكومين وحكاما.
والتزمت مفهوما شاملا للإنماء، بانه انماء الانسان كل الانسان.
وللاب لوبريه الذي كانت له تجربته مع لبنان، تعريف للإنماء بانه الارتقاء بالمجتمع من مستوى ما دون انساني الى مستوى انساني !
وفترة نصف قرن  كانت تكفي لاستحداث مثل هذا التطور في لبنان !
وهذا ما جرى في سنغافورة، وهي دولة في مثل حجمنا، في آسيا الشرقية، اذ تطورت في هذه الفترة، من دولة متخلفة الى دولة متقدمة، اي من مجتمع ما دون انساني الى مجتمع إنساني !
ونحن انحدرنا في الفترة نفسها من مجتمع ما دون انساني الى مجتمع ما دون حيواني، اي من مجتمع متخلف الى مجتمع مستبهم !
وفعلنا ذلك، ونشيد انشادنا الذي نتغنى به هو اننا وطن الانسان، ووطن الاشعاع، ووطن العظمة، ووطن العنفوان !
فما هو اشعاعنا على العالم اليوم سوى وهج ارهاباتنا، وبريق تهريباتنا، وانين رهائننا، وصدى حملاتنا في اعلام العالم بعضنا على البعض !
انشأنا الندوة عام 1964 في سبيل التوعية الانمائية.
فلم اخترنا التوعية ؟
لان لبنان كان متخلفاً ولم يكن يعي انه متخلف !
ولأن فريقا من ابنائه كان يعتقد انه متقدم، ويتهم فريقاً آخر بالتخلف، ويزين لنفسه ان هذا الفريق لن يتقدم ابدا.
وما ازال اذكر وزيرا للتصميم، اي الوزير المسؤول عن انماء كل اللبنانيين، وانا اقدم اليه احدث كتاب اصدرته الندوة، فيقول لي : ان جهدكم يذهب سدى !
فأسأله لماذا ؟
فيجيب بلا استيحاء، : “ان هناك فئة متخلفة في لبنان وستظل متخلفة الى الابد”.
فقلت له : والانسان الذي تتغنى به في كتاباتك وخطبك ؟
فأجاب : ان الانسان هو شيء وان هؤلاء المتخلفين هم شيء آخر.
فاذا كنا نميز مثل هذا التمييز بين انسان والاخر، وبين مواطن والاخر، فكيف لا ننتهي الى قتل احدنا للاخر وقنصه وخطفه على الهوية؟
ان الانماء كما تصورناه، هو انسانية جديدة.
وان التخلف هو حالة عارضة لدى الانسان فرديا ومجتمعيا.
لكن المهم ان يعيه الانسان ليستطيع التحرر منه.
وكما ان سياسة التخطيط الانمائي هي واجب الدولة، فان التوعية لاحوال التخلف التي تستدعي هذا التخطيط، والتبصرة بأهداف هذا التخطيط هما ايضا وظيفتا الدولة. فاذا قصرت الدولة كان على اهل الفكر ان ينهضوا بالواجب.
وقد جاءنا الرئيس فؤاد شهاب بالاب لوبريه، الخبير الانمائي العالمي الفرنسي، ليرينا بالدراسات والاحصاءات اننا متخلفون في كل الميادين، وان من اخطر ظواهر تخلفنا الفجوات بين مداخيلنا، وبين قطاعاتنا، وبين مناطقنا، وبين فئاتنا، وبين افرادنا. وانذر بأن هذه الفجوات التخلفية هي بؤر تفجر تهدد وجود لبنان !
فاحتدمت الحملة على الاب الخبير الكاثوليكي الفرنسي، وهو المستشار الانمائي لقداسة بابا روما !
واخبرني السفير الفرنسي في ذلك الحين، ان بعض كبار النواب ذهبوا اليه، ليشكو اليه الرئيس شهاب، انه يريد ان يرتقي بالمسلمين من اموال المسيحيين ، وليطالبوه بسحب الاب لوبريه من لبنان، من قبل ان يحمد ما لا تحمد عقباه، ومن قبل ان تخسر فرنسا صداقة الذين يحبونها من اللبنانيين !
وكان الرئيس شهاب يشكو لي ان المسيحيين يعتبرونه مسلما لأنه متحدر من سلالة الرسول!
وكان اليساريون يعتبرونه رجعياً بينما كان اليمينيون يعتبرونه شيوعياً، وكل ذلك بسبب ما التبس عليهم من سياسته في سبيل الانماء والعدل الاجتماعي التي كان يعتبرها مؤدية الى التلاحم الوطني !
والطائفية في نظرتنا الى الانماء والتقدم كانت قرينتها الاقطاعية !
فلم يكون بد من مواجهة الآفتين باشاعة التوعية الانمائية في كل لبنان ولدى جميع اللبنانيين!
فتحولنا بمؤتمراتنا من العاصمة الى مراكز المحافظات والى مراكز القائمقاميات.
لأن الانماء لا بد من ان ينطلق من القواعد، وان يعم كل الشعب.
وهو الزم ما يكون في القواعد الريفية.
فنظمنا مؤتمر الانماء في اشد هذه القواعد تخلفاً، قاعدة الهرمل.
فاذا بكبير نواب الهرمل في ذلك الحين ينذرنا بالابتعاد عن منطقته، والا ؟ وما شأننا نحن أساتذة جامعات بيروت بالهرمل ؟ لكن لبنان كله وطننا، اليس كذلك؟ وكيف نرضى بأن يتقدم حي في بيروت، وبان لا تكون الهرمل في مثل تقدمه ؟ واصر علينا شعبنا وشبابنا في الهرمل ان نعقد المؤتمر وارتفع المعترض بالشكوى الى رئيس الجمهورية. لكن المؤتمر عقد وكان تجاوب مواطنينا في الهرمل معنا من اروع ما لقينا في كل لبنان.
وهذه المقاومة الضاربة لدعوتنا الانمائية، من الزعامات الطائفية والاقطاعية، اقنعتنا بأن معضلة لبنان الانمائية هي سياسة قبل ان تكون اقتصادية او اجتماعية واظهرت لنا ان التخلف السياسي هو الوجه الاقبح لتخلفنا. فلا بد من نظام سياسي انمائي ليتسنى لنا ان نتقدم. ولا بد لنا من قيادة سياسية ملتزمة التزاما حقيقيا للانماء، ليتطور لبنان من دولة متخلفة الى دولة متقدمة.
وكان العقل لا العنف سبيلنا المفضل لاحداث مثل هذا التغيير النظامي والقيادي.
فنظمنا حلقة دراسية حول النظام السياسي الأفضل للانماء، اشركنا فيها ممثلين لجميع الاحزاب والقوى السياسية في لبنان.
وانعقد اجماع الباحثين والمحاورين على ان التغيير الديموقراطي السلمي يبدأ من القاعدة، اي من تغيير النظام الانتخابي، والنظام الحزبي، لتنبثق من الانتخابات قيادة منظمة، تعبر عن ارادة الشعب في الحرية والتقدم والعدل.
فألفنا لجنة تمثل سبعة عشر حزبا لبنانيا مع نخبة من اساتذة علم السياسة. لوضع نظام انتخابي جديد للبنان جديد.
ووضعت اللجنة النظام المنشود، بعد جهود استمرت عامين.
وصيغ النظام الانتخابي صياغة تجعل النظام الحزبي العصري ينبثق من العملية الانتخابية اي من القاعدة الشعبية نفسها.
فالتنظيم الحزبي لا يفرض بمراسيم فوقية !
ولم نكن نبتعد في ما نقوم به عن رسالة التوعية الانمائية !
لان الانماء السياسي هو بعد من ابعاد المفهوم الجديد للانماء الشامل والمتكامل، من الانماء الاقتصادي الى الانماء التربوي، مرورا بل ابتداء بالانماء السياسي ؟
وجاء اجماع كل احزاب لبنان على مشروع موحد لقانون انتخاب جديد مفاجآة لزعماء السياسة في لبنان. وذهب به المرحوم كمال جنبلاط الى البرلمان. وناقشناه في لجنة التصميم برئاسة المرحوم موريس الجميل. وتحاورنا حوله مع رئيس لجنة العدل ناظم القادري. ووضعه المرحوم بهيج تقي الدين في طليعة المشاريع المقترحة لاصلاح النظام الانتخابي !
لكن مجالنا التاريخي بعد عام 1972 لم يكن مجال اقناع وانماء واحياء، بل كان مجال اكراه واغتصاب وتقتيل وافناء !
فظل المشروع ينتظر عند باب قصر بعبدا وقصر ساحة النجمة !
ولا بد من ان يعود كل منهما فيتحقق فيهما من مشاريع الانماء والتقدم ما لم يتحقق بعد !
ولعل نوابنا الكرام يذكرونه وهم يضعون الوثيقة الاصلاحية التي ستدعوهم اللجنة الرئاسية للجامعة  العربية لوضعها!
ولم تكن تغيب عن الندوة الافاق الخارجية لتخلف لبنان وتقدمة. فنحن جمهورية منفتحة على العالم. ونحن الدولة الوحيدة في العالم الثالث يفوق قطاع الخدمات فيها قطاعي الزراعة والصناعة . وهذا الانفتاح هو مصدر قوتنا في الاحوال العادية. لكنه مصدر ضعفنا في الازمات. ويتفاعل لدينا الانفتاح الاقتصادي والسياسي ايجاباً وسلباً. فكان علينا ان نتعهد بالدراسة علاقتنا الانمائية العربية والدولية. وكان علينا ان نتعهد بالتحاور الاختلافات اللبنانية الفلسطينية لتفادي التصادم.
وعقد اول لقاء بين ممثلي احزابنا اليمينية وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في مقر الندوة. فافتتح بالصراخ واختتم بالعناق. ولو اقرت مبادىء التعاون التي اعتمدت في هذا الاجتماع، لدى مراجع المحاورين، لنجونا من انفجار الرابع عشر من نيسان 1975، ومن كل ما ادى اليه من عواقب تستفحل حتى اليوم !
ولا اذكر كل الذي ذكرت بكاء على الاطلال فمنجزات الندوة في نصف قرن تراث قوامه اثنان واربعون كتاباً مرجعيا في الانماء، وعشرون مؤتمراً وطنياً واقليمياً ودولياً، ومئة حلقة حوار، وعلاقات تعاون مع جميع الهيئات اللبنانية، وتواصل مع الهيئات الانمائية العربية والدولية. وهي عضو مراقب لدى الامم المتحدة، باشتراكها في تجمع المنظمات غير الحكومية. والندوة هي هيئة علمية، وليست حكومة ولا حزبا سياسية، لذلك مهمتها ان تقدم ابحاثاً علمية لا ان تصنع قرارات سياسية. لكن مسؤوليات العلماء والسياسيين واحدة في لحظات الوطن المصيرية.
ونحن نعيش هذه اللحظات المصيرية منذ عام 1975 حتى الان. فلا عذر لنا ان نتباهى باننا وعينا بالعلم، وان نعاتب غيرنا الذي لم ينفذ بالفعل. لان الهوة بين العلم والفعل هي خطيئة العلماء بمقدار ما هي خطيئة السياسيين. ومسؤولية تداركها هي مسؤولية الفريقين ! ولعل هذا هو ما حمل افلاطون على ان يتصور حاكمه المفضل الملك الفيلسوف او الفيلسوف الملك. والبيان الذي اصدرنا اخيرا، بالتعاون مع اربعين هيئة فكرية، بالدعوة الى الحوار، والوفاق الوطني، ولاحلال السلام، ولتحقيق الاصلاح، ولاعادة الشرعية، ولانجاز الجلاء، التقى فيه واجبنا الفكري والواجب السياسي العلوي.
وكان لندوتنا جلسات مع جميع رؤساء جمهورية لبنان ورؤساء حكوماته، منذ انشئت حتى الآن، سعياً وراء التفاعل بين العلوم والسياسة، وبين الفكر والسلطة.
وكان من امتعها جلسة الرئيس شارل حلو الذي ارتضى بديموقراطيته المعهودة، ان تكون جلسة “محاكمة انمائية”، بعدما انهى ولايته في رئاسة الجمهورية.
وكانت التهمة اليه انه رحب ترحيباً حارا بتوصيات مؤتمرات الندوة، التي كنا نرفعها اليه بعد كل مؤتمر، لكنه لم يكن يعمل لتطبيقها.
فرد محتجا وساردا ما حقق من مشاريع انمائية، لكنه استطرد، وهو يضغط صدغيه بيديه ضغطا شديدا، وقال : ” انكم لا تعرفون الهم الاكبر لرئيس جمهورية لبنان”.
فسألناه عنه ، فأجاب : “ان همه الاكبر هو ان يبقى لبنان !”.
فقلت : ” ان يبقى لبنان هو ان يتطور !”.
اذكر هذه المحاكمة بل هذه المحاورة الرائعة. واذكر ايضاً ان الندوة عقدت مؤتمرها الاول للإنماء الوطني، في رعاية الرئيس حلو، في 14،15،16 نيسان 1966، حول “الدولة والانماء في لبنان”.
واراجع مستهل البيان، الذي صدر عن المؤتمر، فأجد فيه نموذج الدولة، الذي لا نزال نتطلع اليه في لبنان، انه نموذج التطور بلبنان” … بالنهج الديموقراطي من دولة سائرة في طريق النمو الى دولة متقدمة، وتطوير المجتمع اللبناني من مجتمع طائفي تعايشي الى مجتمع تقدمي عصري واحد، وتحديث جميع بنيات هذا المجتمع بحيث تنتظم الانتاجية فيه وتطرد اطراداً موصولاً ثابتاً، يؤدي اطرادها المنتظم الى رفع مستوى حياة كل مواطن لبناني، ويؤمن استيعاب الطاقات الانسانية الجديدة التي تتزايد عاماً بعد عام، ويتيح لهذه الطاقات ان تجعل من النظام الديموقراطي اللبناني التجسيم الحي للحرية والعدالة، وان تصنع منه نموذجاً للانماء الديموقراطي”.
ان هذه الرؤية الديموقراطية الانمائية لعام 1966 لا تزال هي نفسها رؤية كل مواطن لبناني عام 2014.
فماذا ننتظر لننطلق في تحقيقها، ولو كان ذلك بعد خمسون عاماً ؟
ننتظر ان تصالحنا اللجنة الرئاسية الثلاثية لجامعة الدولة العربية !
ولماذا لا نسبقها الى التصالح بعضنا مع البعض ؟
ان الانطلاق هو الان من مستوى ادنى لبلوغ مستوى اعلى !
فنحن الان على عتبة القرن الحادي والعشرين.
وانماء اليوم والغد هو غير انماء الامس !
فالتحدي اكبر.
لكن الاستجابة من شعبنا النبيل ستكون هي ايضاً استجابة خلاقة اكبر !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•    مستوحاة من فكر الراحل د.حسن صعب، بمناسبة العيد ال 56 لتأسيس “ندوة الدراسات الإنمائية ” التي اسسها ورعاها سحابة ربع قرن (1964-2020).
•    د. نعمت حبيب غندور ، أرملة د.حسن صعب.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

وزير الثقافة اجرى اتصالات مع نظرائه في العالم والمنظمات الدولية لحماية المواقع الأثرية في الجنوب

اجرى وزير الثقافة غسان سلامة اتصالات عديدة بنظرائه في العالم وبالمنظمات الدولية المعنية للفت انتباهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.