أخبار عاجلة

في وداع نوال السعداوي قصيفي : الوجه الأصيل في عروبته المتجذر في انسانيته ،المميز في تقدميته

حصل لي شرف لقاء نوال السعداوي في احد فنادق القاهرة في مطالع الثمانينيات، وكنت مع حلقة من الاصدقاء الصحافيين. كان وجودها لافتا وصاخبا. لم يبق احد في بهو الفندق الا وتقدم منها مصافحا ، ومحييا، ومعرفا بفسه. النادلات والندل تحلقوا من حولها:” نورتنا يا استاذة نوال بوجودك”.
وكانت ترد على الجميع بلطف وفرح، وتمازحهم. كانت عيناها تشعان ذكاء.
جذابة ببشرتها السمراء وشعرها المنفوش، وضحكتها العريضة. كانت مواقفها حاسمة في الدفاع عن حقوق الانسان، وتحرر المرأة وضرورة ان تأخذ دورها الطليعي في المجتمع. بل ان تنتزع هذا الدور.
لم التقها من قبل، ولو ان صفحات مجلة ” التضامن” التي اصدرها الصحافي اللبناني الكبير فؤاد مطر في لندن اوائل ثمانينيات القرن المنصرم , جمعتنا افتراضيا. اذ كانت تكتب فيها مقالا اسبوعيا مدويا، فيما كنت انا مراسل المجلة في بيروت، الى جانب مدير مكتبها الموقت الصحافي المرحوم ابراهيم برجاوي قبل مغادرته العاصمة اللبنانية ليصبح مدير مكتب بغداد. وكانت المجلة رائدة ، وشكلت اضافة في الصحافة العربية ، وحشدت مجموعة من الكتاب العرب البارزين، وفيها برزت احلام مستغانمي بصفحة تفرغ فيها ابداعها الادبي، والناقد المصري الفرد فرج وسواهما.
وقد حجزت المجلة لنفسها مكانة ومكانا في بلاط صاحبة الجلالة. وكانت موضوعاتها اقرب الى الملفات منها الى التحقيقات السريعة التي غالبا ما تفتقر الى الدقة والموضوعية.
وتوقفت مجلة ” التضامن” قبيل الغزو الاميركي للعراق على اثر توقف دعم بغداد لها. آثر الصحافي مطر الاحتجاب على الانقلاب. لم ينقل ” البارودة” من كتف الى اخرى. كما فعل الصحافي المرحوم وليد ابو ظهر صاحب مجلة ” الوطن العربي” الذي كان ” لحم كتفيه ” من صدام. كانت ظاهرا تصدر من لندن، قبل ان تنتقل الى القاهرة. لكن عمليا خصصت لها بناية من عدة طبقات في وسط بغداد.وكانت وزارة الاعلام العراقية تدفع رواتب الصحافيين ، وتكاليف الورق والطباعة والحبر ونفقات التوزيع. وتخص” الوطن العربي” بنسبة عالية من موازنة محفظتها الاعلانية. وكان ابو خالد يتقاضى الارباح التي يجنيها من بيع المجلة والاشتراكات كاملة. عدا ما انتفع به من استثمارات سياحية في ” مجمع الحبانيه” و”فندق بغداد” وتحديدا مربعه الشهير في ذاك الوقت” ليالينا”.
كان الاسرع من بين الصحافيين في التخلي عن ولي نعمته.
بعد هذا الاستطراد، وفي عودة الى نوال السعداوي، فقد عرفتها بنفسي واعربت عن سروري بلقائها، ولكن لم التقط صورة معها، وقد تعذر علي ذلك ، لاني كنت في فندق آخر غير الذي اقيم فيه حيث تعقد احدى دورات الاتحاد العام للصحفيين العرب، والذي لم يكن يخلو من وجود مصورين.
كانت لطيفة معي وودودة للغاية ، واعربت عن حبها الكبير للبنان ودوره الرائد في نهضة العرب، مذكرة بكبار من ابنائه كانوا رافعة الصحافة المصرية، وتركوا فيها بصمات لا تمحى. واعلنت حبها لبيروت وما تمثله من تنوع فكري وثقافي ودينامية حضور، واطلالة رحبة. كانت تعتبرها شرفة العرب ، وقلبهم النابض، وصوتهم الصادح ، وحضنهم الدافيء.
وقالت لي انها حزينة لمرأى اللبنانيين يتقاتلون وينتحرون بملء ارادتهم وكامل وعيهم ، ويدمرون وطنهم بايديهم.وترى انه يتعين عليهم التحصن بالارادة- ارادة تجاوز الانقسامات ‐ ويوحدوا القلب واللسان، وتغليب موجبات الانقاذ على ترف التلهي في تفحص ” جنس الملائكة”. وتواعدنا على اللقاء اذا زرت ” المحروسة ثانية”. وقد زرتها عشرات المرات بعد هذا اللقاء، ولم يتسن لي لقاءها .
اما وقد غابت نوال السعداوي ، طاوية كتاب العمر على صفحات مضيئة مثقلة بالنضال، ومقاومة الظلم ، والانتصار للمرأة، والوقوف الى جانب المظلومين والمهمشين فلا يبقى لنا الا تذكر هذا الوجه الاصيل في عروبته، المتجذر في انسانيته، المميز في تقدميته.
لقد كانت قبسا هاديا لاجيال من المناضلات المتمرسات، اللواتي علمن بعرقهن وتضحياتهن كيف يكون الانحياز لشرف الحياة والعمل.
جوزف القصيفي

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

المقدسي: الفوضى الاعلامية باتت “كالعمل بالمنكر والنهي عن المعروف”

قال رئيس “مؤسسة المقدسي الانمائية والاجتماعية” الدكتور طلال المقدسي في تصريح: “مع ان دقة المرحلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.