أخبار عاجلة

رمضان بصيدا غير…

بقلم أماني أبوزينب…..

من العام إلى العام، مدينة جنوبية تلازم إسمها مع الشهر المبارك لتصبح عنواناً و مقصداً متجدّداً لزوّارها الذين اجتمعوا على التأكيد بأنّ “رمضان بصيدا غير” و ليغدو الشهر الفضيل جزءً من هويتها.
إنّها ليست محاسن الصدف، فكل شيء في هذا الكون يجري بترتيب رباني. رمضان هو شهر البركة و الإيمان و الخير، و صيدا هي مدينة الطيّبات و الطيّبون و أهل الخير. فاجتمعت روحية الشهر المبارك بروح المدينة الخيّرة في معادلة “الأرواح على شبيهاتها تقع”، فوقعت صيدا في حب رمضان و خصّ رمضان المدينة الجميلة بمكانة و مشاعر دافئة بأبسط و أصدق المظاهر البعيدة عن التكلّف و التصنّع.
ليالي رمضان في قلب المدينة لا تشبه سوى قلعتها البحرية التي تستقبلك بال “أهلا و السهلا” مقابل المدخل الغربي للسوق العتيق عند خان الإفرنج، لتبدأ رحلةً من الإيمان و الأصالة و البهجة و الفرح. قبل موعد الإفطار، تصدح مآذن المساجد المنتشرة بآياتٍ من الذكر الحكيم ليليها مدفع و آذان الإفطار حيث تنتشر نفحات رمضان الإيمانية في أرجاء المدينة و أحيائها. على “الله أكبر”، يفطر الصائمون المؤمنون فرحين بصومٍ تمّ و متأمّلين بقبولٍ إن شاء الله. ماءٌ و تمر يُوزَّع بين الأحياء و الجيران و الأقارب، فأهل المدينة يعون تماماً جزاء إفطار صائم فيلتزمون قدر المستطاع بهذا السلوك لثلاثين يوماً.
مائدةٌ رمضانية بامتياز هي السفرة الصيداوية ليس بأطعمتها فقط، إنّما باللمّة العائلية و الحب الكبير الذي يضفي نكهة خاصة على أكثر الأطباق بساطة، ليتوزّع من بعدها المجتمعون، نساء و رجال، على المساجد المتاحة تحضيراً لصلاة العشاء و التراويح جمعاً.
بالمئات، الكتف عالكتف و القلب عالقلب، تعجّ مساجد المدينة بضيوف الرحمن بمشهد تقشعّر له الأبدان بما يجسّد من ألفة و أخوّة و وحدة و مساواة بين صيداوياتٍ و صيداويين تجمعهم الصلاة ربّما لأول مرة و لكن لن تكون الأخيرة. فعلى مدى ثلاثين يوماً، تنشأ الصداقات و التعارف و تُبنى الألفة بتحية و ابتسامه و كلمة حلوة.
ليالي المدينة طويلة طويلة فالبركة حتى في الأوقات هي الأخرى ملحوظة تستشعرها متنقلاً من ساحة باب السراي و ضهر المير و أزقة السوق العتيق و زواريبه، و ليلك لم ينقضي بعد محاطاً بالصغار قبل الكبار من داخل و خارج المدينة. هناك، تستقبلك فرق المادحين بالطبل و الزمر و الأناشيد أو وصلات السيف و الترس و الدفوف بين عربات التفاح المعلّل و الجلّاب و التوت التي تجذبك برائحتها الطيبة و زركشاتها الشعبية البسيطة حيث لا مفر من التجربة. و إن حصل و قاومت و سلمت من أفخاخ العربات، فإنّك حتماً لن تسلم من دكاكين القطايف و السحلب و الكنافة و الحلويات الرمضانية حيث القرار الأوحد في مثل هذه اللحظات: “أي تحلاية نختار؟” لتجد نفسك أمام برنامج يومي تتشارك في صياغته مع أحياء المدينة القديمة بحب و رضا و طيب خاطر.
سهرات صيدا متنوّعة بين المقاهي و الحمّامات القديمة و متحف عودة و قصر دبانة و قهوة “القزاز” و غيرها الكثير و هي تمتدّ بمعظمها حتى أوقات السحر حيث يطلّ عليك المسحراتي بطبل صغير لينبّه الساهرين باقتراب موعد الفجر و يوقظ النائمين، إن كان هناك من نائم. مناقيش و صاج و فول و فتة مع كأس شاي سكر زيادة هي طقوس السحور التقليدي مع بعض حبات الزيتون و المخلّلات.
ابتسامات، فرح و ملامح رضا هي السائدة، تقطعها بين الحين و الآخر تهديدات الأمهات بضرورة العودة إلى المنازل مع نهاية الليل، فترى الأطفال هاربين بين الكراسي و المراجيح الحديدية المنصوبة على أكياس رمل ثقيلة حيث يستترون، علّهم يحظون ببعض الدقائق الإضافية.
يقترب الفجر، تطفئ المدينة أنوارها و تودّع زوّارها على أمل لقاء قريب يتجدّد في اليوم التالي، فمن قال أنّ الإدمان يكون فقط على السجائر و القهوة؟ فالأرواح هي الأخرى تدمن الأماكن حيث تسعد و ترضى و ترتاح، و المدينة الجميلة استطاعت ببساطتها رغم تعبها الكبير أن تكون السكن و السكينة في شهر الخير و الرحمة.
مجدداً، على “الله أكبر” متناغمة بين المسجد العمري الكبير و باب السراي و أبو نخلة، متّصلة بالبراني و بطاح و الكيخيا و القطيشية إلى المجذوب، يرفع المصلّون الدعوات و الصلوات مع فجر يوم رمضاني جديد راجين القبول و الخير و السلام للمدينة و أهلها.
إنّها مدينة رمضان و رمضان المدينة، لا ينسلخان لأنّ “رمضان بصيدا غير”، و سأبقى أتحدّث عنك أيتها المدينة !

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.