تحديات التربية في عصر الذكاء الاصطناعي بين موروث الماضي وانفتاح المستقبل.

بقلم عبير درويش
تخطت التربية في وقتنا الراهن مفهوم التلقين الصامت الذي يتشكل خلف الجدران المغلقة، لتصبح كياناً متغيراً يتأثر بتسارع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتدفق منصات التواصل الاجتماعي، فالمربي اليوم يجد نفسه في مواجهة مباشرة بين أنماط تقليدية تحاول البقاء وبين انفتاح رقمي يكسر كافة القوالب النمطية. تضعنا الكاتبة عبير درويش أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كانت ممارساتنا التربوية الحالية هي بناء حقيقي للوعي أم مجرد استجابات عشوائية لواقع يفيض بالمتغيرات، خاصة وأن التربية التقليدية التي قامت لعقود على الطاعة المطلقة والتلقين باتت تصطدم بجيل يمتلك العالم بضغطة زر، مما يجعل الصرامة التي كانت تُعد أماناً في الماضي عبئاً في الحاضر يولد شخصيات ممزقة بين صمت البيت ومتطلبات الإبداع في الخارج.
​وفي الوقت الذي تحاول فيه التربية الحديثة إرساء قيم الحرية والحوار متبنية فلسفة ماريا مونتيسوري التي ترى في الطفل ناراً متقدة يجب إشعالها، نجد أن سوء الفهم لهذه المفاهيم قد قاد بعض الأسر إلى فوضى غياب الحدود، حيث تلاشت القواعد وضاعت المسؤولية ليصبح الطفل هو القائد في مساحة تفتقر للرقابة الواعية. هذا التخبط يزداد عمقاً مع استمرار حضور الصور النمطية التي تحصر الذكاء في التحصيل الدراسي أو تقيد المشاعر بأدوار اجتماعية جامدة، مما يخنق الفردية ويجبر الطفل على تبني هوية لا تشبهه، فيكبر وهو يعيش صراعاً داخلياً مريراً بين حقيقته وما يفرضه المجتمع عليه من أدوار معلبة تقتل فيه روح الابتكار.
​يتعاظم هذا التحدي مع دخول الذكاء الاصطناعي كلاعب أساسي وشريك غير مرئي في تربية أطفالنا، حيث تغزو الهواتف الذكية والمنصات التعليمية وعي الطفل دون استئذان، حاملة في طياتها فلسفة خفية تغير طريقة التفكير كما وصفها نيل بوستمان، فالخطر هنا لا يكمن في الأداة التقنية بل في انسحاب الدور الوالدي وترك الساحة لمحتوى قد لا يتناسب مع القيم المجتمعية. يضاف إلى ذلك أثر الأزمات العالمية والحروب التي تتدفق مشاهدها عبر الشاشات، مما يضع الطفل في مواجهة مبكرة مع قلق المستقبل ويخلخل أمانه النفسي، لينتج عن ذلك جيل يعاني من اضطرابات سلوكية ناتجة عن استهلاك محتوى يفوق قدرته على الاستيعاب.
​إن المخرج من هذا المأزق التربوي لا يكمن في العودة إلى الصلابة التقليدية ولا في الانجراف وراء الحداثة المنفلتة، بل في صياغة تربية واعية مرنة تدمج بين الأصالة والقيم وبين الفهم العميق لمتطلبات العصر الرقمي، إيماناً بمقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بضرورة تربية الأبناء لزمان غير زماننا. إن التربية اليوم هي مسؤولية تضامنية تتجاوز حدود الأسرة لتشمل المدرسة والمجتمع والمنظومة التقنية، والتحدي الحقيقي الذي يواجهنا ليس في قوة الذكاء الاصطناعي بل في مدى امتلاكنا للذكاء التربوي الذي يقي أبناءنا من التحول إلى حقل تجارب، ويجعلنا مرشدين واعين في عالم شديد التعقيد.
المصدر:beirutyabeirut.com

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.