تحذيراً من «العبث القاتل»: غطاء رئاسي للجيش!

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في صحيفة الجمهورية:
إنّ الهجمة السياسية – الإعلامية، والإعلامية – السياسية الممنهجة على قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمؤسسة العسكرية، باتت معروفة الأهداف، ولا تحتاج إلى مزيد من الإضاءات والشرح. وهي حملة تحظى بغطاء لدى بعض الدوائر في الإدارة الأميركية، ويقودها السيناتور ليندسي غراهام، بالإضافة إلى مواكبة بعض الناشطين السياسيِّين الأميركيِّين من أصول لبنانية لها، بإطلالات إعلامية وتسريبات تبنّتها وسائل إعلامية وصحافيّون وإعلاميّون في الداخل. هذه الهجمة تتلخّص ببساطة بضرورة أن يقوم الجيش بإنهاء الوجود العسكري والأمني لـ»حزب الله»، إنفاذاً لقرار مجلس الوزراء الأخير، الذي يصرّ رئيسه نواف سلام على تنفيذه فوراً من دون مناقشة تداعياته المحتملة على الأرض.
بطبيعة الحال، فإنّ قيادة الجيش خاضعة للسلطة الإجرائية، وأعلنت تقيّدها بما تقرّره، وهي التي وضعت خطة حصر السلاح في كل من جنوب الليطاني وشماله، واستبقت لنفسها تقدير التوقيت لبدء تنفيذ المرحلة الثانية، لأنّها الأعرف بواقع الأرض والأحرص على وحدة المؤسسة العسكرية.
وكان واضحاً أنّ الحملة المركّزة على الجيش وقائده العماد هيكل لم تلقَ هوى في نفوس معظم اللبنانيِّين، ومن بينهم من يخاصم «حزب الله» ويكنّ له عداءً شديداً ويؤيّدون تجريد الحزب من السلاح الذي يمتلك، لكنّهم يتهيّبون أي مساس واستهداف للجيش ويخشون تبعاته. وإذا كان لا تفسير حتى الساعة لأداء الحكومة تجاه هذه الحملة، فإنّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، كان واضحاً في موقفه عندما أشار أمس خلال استقباله سفراء الدانمارك، السويد والنروج في قصر بعبدا، إلى أنّ «قرار الحكومة المتعلّق بحصر السلاح سيُنفَّذ وفق الخطة التي وضعتها قيادة الجيش متى سمحت الظروف الأمنية بذلك، وبالتالي فإنّ التعرُّض للجيش أو لقائده في هذه الظروف الدقيقة والخطيرة في آنٍ، هو موقف مرفوض ومستغرب ومشبوه، لأنّه يصُبّ في محاولات تقويض سلطة الدولة والتشكيك بقدراتها، ويتناغم بشكل أو بآخر مع أهداف العاملين على زجّ لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة تخطّياً لإرادة أكثرية اللبنانيِّين…
التصويب على الجيش وقيادته عُدَّ لدى البعض تصويباً على رئيس الجمهورية، بوصفه دستورياً القائد الأعلى للجيش، بالإضافة إلى كونه قائداً سابقاً له ويعرف مشكلاته في العمق، وحقيقة الأرض وتوازناتها، وهو لم يتوقف يوماً عن قول ما ذكره أيضاً أمام هؤلاء السفراء، بأنّ اللبنانيِّين «سئموا الحروب وتداعياتها، ويتمسكون بحق الدولة وحدها في اتخاذ قرار الحرب والسلم». وإنّ مواقفه العالية السقف والنبرة تجاه إيران و«حزب الله» لدى حديثه عبر تطبيق: «زوم» بدعوة من المجلس الأوروبي، واضحة ولا تحتمل أي تفسير لجهة الإلتزام بقرار مجلس الوزراء، لكن وفق البوصلة التي يحدِّدها انطلاقاً من المعطيات والقدرات وحسن التوقيت.
لم تكن موفقة الحملة السياسية – الإعلامية ضدّ الجيش وقيادته، خصوصاً من نواب «نفذوا برؤوسهم» جراء التمديد للمجلس النيابي، لأنّهم كانوا يوضّبون حقائبهم للعودة إلى منازلهم وأشغالهم في حال وقعت الانتخابات النيابية وفاجأتهم أو لم تفاجئهم نتائجها. بعد الثامن من أيار المقبل سينطبق عليهم لقب: «النواب الممدّدة ولايتهم».
ويقول مسؤول رفيع المستوى، إنّ قيادة الجيش لن تسير في مغامرة من شأنها أن تضع المؤسسة العسكرية في العام 2026 أمام مصير مشابه للذي آلت إليه في العامين 1975 و1976. كما في العامَين 1983 و1988. إنّ الرئيس عون يدعم العماد هيكل، وكلاهما يقارب الوضع بدقّة وموضوعية، ويغلّبان حِس الوحدة الوطنية في الداخل، ويقدّمانه على أي اعتبار مهما بلغت حجم الضغوط الدولية عليه، ولاسيما من واشنطن.
ويُضيف هذا المسؤول، إنّ الدولة اللبنانية تصرّ على موضوع حصر السلاح، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيَدها انطلاقاً من حقها السيادي في ذلك، وإنّ هذا الموقف لا يخدم إسرائيل بل الدولة اللبنانية، لكنّ الدولة العبرية هي السبب الرئيس لتدحرج الأوضاع ووصولها إلى هذه الدرجة من السوء، لأنّها لم تتوقف يوماً عن شنّ الغارات والقيام بالإعتداءات، ولم تلتزم بقرار وقف إطلاق النار في 27 من تشرين الثاني 2024، وهي التي سبَّبت غاراتها استشهاد 500 شخص، وجرح ما يزيد على 1500 جريح، وتدمير آلاف الأبنية والمنشآت. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ وعود دعم الجيش وتمكينه من الوسائل الفاعلة للدفاع عن البلاد، كانت وعوداً «زيزفونية» ومعظمها على طريقة «إقرأ تفرح، جرِّب تحزن».
ويرى سياسي مخضرم، أنّ الحملة التي استهدفت المؤسسة العسكرية ذات وجهَين:
أ – الضغط على الدولة والجيش للتصادم مع «حزب الله» وبيئته في توقيت ملتبس قد تكون سلبياته أكبر من إيجابياته.
ب – التحريض على قيادة الجيش والمؤسسة العسكرية لتكون مطواعة مع القوى التي تنتقدها و»تغني على ليلاها» بدلاً من ليلى: «المصلحة العامة».
في أي حال، حسم رئيس الجمهورية الموقف بتأييده المطلق لقائد الجيش والمؤسسة العسكرية، وبعث برسالة واضحة لِمَن يريد أن يأخذ لبنان إلى مكان أشدّ خطورة من الوضع القائم. ويذكّرني هذا الموقف بالقراءات التي استقيتها من مذكرات مَن عايشوا كواليس أحداث العام 1958، عندما ضغط عدد من الوزراء على الرئيس كميل شمعون لإقالة قائد الجيش يومذاك اللواء فؤاد شهاب، الذي رفض أن يتصدّى للثائرين على حُكمه بالقوّة، متسبِّبين بمواجهات دامية بذريعة عدم توسع الحرب الأهلية والخشية على وحدة الجيش، غير أنّ الرئيس شمعون لم يستجب لهذه الضغوط، ولو أنّه لم يكن على علاقة جيدة مع قائد الجيش في حينه، بعكس ما هي عليه علاقة الرئيس عون مع العماد هيكل المبنية على عاملي الثقة والتفاهم الكلّي.
إنّ المؤسسة العسكرية هي «خط أحمر» في زمن الاستقرار السياسي، فكيف الحال في هذا الزمن العصيب الذي يواجه فيه لبنان أخطاراً وجودية. لذلك، فإنّ العبث بموضوع الجيش وربط الموقف منه بـ«أجندات» سياسية من هذا الطرف أو ذاك، قد يكون قاتلاً. فحذارِ.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

شاهد أيضاً

تأجيلُ الانتخابات بين السياسي والتقني: ترجمة لرغبة نيابية مقنّعة!؟

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في صحيفة الجمهورية :لم يكن التذرُّع بالأسباب القاهرة الناتجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.