نداء وطني حول الفساد: مسؤولية المواجهة وترسيخ دولة القانون والعدالة

بقلم: المحامي عمر زين ‏
يا أبناء الوطن جميعاً، يا من يحمل كلٌّ منكم مسؤولية بناء هذا الكيان وصون كرامته، ويا من تُلقى ‏على عاتقكم أمانة حماية هذا الوطن من كل انحراف أو تراجع أو عبث بمقدراته، إدراكاً منكم أن ‏قوة الأوطان لا تُبنى إلا بالمسؤولية والوعي والالتزام‎…‎
وإنّ الحديث عن الفساد ليس مجرد توصيف لظاهرة، بل هو استحضار لخطرٍ يمسّ جوهر الدولة ‏ذاتها ويهدد استقرارها من الداخل‎.‎
إنّ الفساد ليس مجرد خللٍ عابر في مؤسسات الدولة، ولا مجرد سلوك فردي منحرف يمكن تجاوزه ‏بالصمت أو التجاهل، بل هو جرحٌ عميق ينخر جسد الوطن ويقوّض أسسه من الداخل، حتى ‏يُضعف قدرته على النهوض، ويعرقل مسيرة التنمية، ويحدّ من فعالية الإصلاح، ويجعل مسارات ‏البناء الوطني أكثر هشاشة وتعقيداً‎.‎
وإذا كان الفساد بهذه الخطورة البنيوية، فإن فهم أسبابه يصبح شرطاً أساسياً لأي عملية إصلاح ‏حقيقية‎.‎
وتتعدد أسباب الفساد وتتداخل، فتبدأ بضعف الرقابة والمحاسبة، وغياب الشفافية، وتراجع الوعي ‏بالقانون، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتمتد إلى ضعف الردع القانوني أحياناً، ‏وإلى ثقافة الصمت والتهاون مع الخطأ، حتى يصبح الانحراف مألوفاً لا يُواجه ولا يُصحح، فتتسع ‏دوائره داخل مؤسسات الدولة دون مقاومة حقيقية‎.‎
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا التراكم في الأسباب إلى نتائج خطيرة تمسّ كل مستويات الدولة ‏والمجتمع‎.‎
أما نتائجه فهي أخطر وأوسع من أن تُحصر في جانب واحد؛ فهو يُضعف مؤسسات الدولة، ويهدر ‏المال العام، ويُعطّل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويُقوّض الثقة بين المواطن والدولة، ويعمّق ‏الفوارق الاجتماعية، ويزرع الإحباط وفقدان الأمل في النفوس، بل ويمتد أثره ليصيب تماسك ‏المجتمع واستقرار الدولة ذاته، ويؤثر على حاضر الأمة ومستقبل أجيالها القادمة، ويهدد قدرتها ‏على الصمود والتقدم‎.‎
ولأن حجم هذه النتائج خطير، فإن مواجهة الفساد تصبح مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل أو ‏التراخي‎.‎
ومن هنا، فإن مواجهة الفساد ليست خياراً ثانوياً، بل هي معركة وجود حقيقية من أجل حماية الدولة ‏والمجتمع، ومعركة وعي ومسؤولية تتطلب تضافر جهود الجميع دون استثناء، وإيماناً بأن ‏الإصلاح لا يتحقق بالشعارات، بل بالإرادة الفعلية وبالعمل المؤسسي وبإعلاء قيمة القانون فوق كل ‏اعتبار، وباستمرار الرقابة والمساءلة دون توقف‎.‎
وتكمن فعالية هذه المواجهة في تحويلها من شعارات عامة إلى مؤسسات وقواعد وضمانات قانونية ‏راسخة‎.‎
وتقوم هذه المواجهة على تعزيز سيادة القانون، وتفعيل أجهزة الرقابة المستقلة، وضمان استقلال ‏القضاء، وتطوير آليات الشفافية والمساءلة، وحماية المبلّغين عن الفساد، وترسيخ ثقافة النزاهة ‏داخل الإدارة والمجتمع، بما يضمن تحويل مكافحة الفساد إلى نظام دائم ومستقر، لا إلى حملات ‏ظرفية أو ردود أفعال مؤقتة، بل إلى ممارسة مؤسسية راسخة‎.‎
غير أن نجاح هذه الآليات يظل مشروطاً بعدم تحويل مكافحة الفساد إلى وسيلة انتقام أو فوضى ‏خارج إطار القانون‎.‎
وفي هذا السياق، فإن ملاحقة الفاسدين ليست عملاً فردياً ولا انتقاماً، بل هي وظيفة قانونية حصرية ‏تُسند إلى مؤسسات الدولة المختصة من قضاء ونيابة عامة وأجهزة رقابية، تعمل ضمن إطار من ‏الشرعية والضمانات، بما يحقق العدالة ويحمي الحقوق ويمنع التعسف، ويعيد الثقة في مؤسسات ‏الدولة وقدرتها على الإنصاف، ويضمن عدم تحويل العدالة إلى أداة انتقام‎.‎
وفي المقابل، فإن العدالة الحقيقية لا تقوم إلا على المساواة أمام القانون دون استثناء أو انتقائية‎.‎
وعلى هذا الأساس، لا يجوز مطلقاً محاسبة أو استهداف النزيهين أو الشرفاء أو من يقومون ‏بواجبهم في كشف الفساد، كما لا يجوز في المقابل ترك الفاسدين دون محاسبة، لأن العدالة لا تقوم ‏على الانتقائية، بل على المساواة أمام القانون، فاستهداف الأبرياء مع إفلات المفسدين يُعدّ انحرافاً ‏خطيراً يضرب جوهر الدولة ويقوّض ثقة المجتمع بمؤسساته، ويخلّ بتوازن العدالة ذاتها‎.‎
كما أن أي خروج عن منطق القانون نحو الفوضى أو العنف لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة بدلاً من ‏حلها‎.‎
كما أن المنطق القائم على العنف أو الفوضى أو أخذ الحق باليد لا يؤدي إلا إلى نتائج عكسية ‏خطيرة، إذ يُضعف سلطة القانون، ويهدم الثقة في مؤسسات الدولة، ويحوّل مكافحة الفساد إلى حالة ‏من الانفلات والاضطراب، تُستغل أحياناً لتصفية الحسابات بدل تحقيق العدالة، بما يهدد استقرار ‏المجتمع والدولة معاً ويؤخر مسار الإصلاح الحقيقي‎.‎
وفي ضوء ذلك، يصبح الوعي الفردي والجماعي حجر الأساس في نجاح أي مشروع لمكافحة ‏الفساد‎.‎
فلنرتقِ جميعاً إلى مستوى هذه المسؤولية التاريخية، ولنجعل من النزاهة سلوكاً يومياً راسخاً، ومن ‏الرقابة واجباً وطنياً دائماً، ومن حماية المال العام التزاماً لا يقبل التهاون أو التساهل، حتى يبقى ‏الوطن قوياً عادلاً قادراً على حماية مستقبله وأبنائه، ومؤهلاً لعبور التحديات بثبات وكرامة، ‏وصون مكانته بين الأمم، وبناء دولة تُحترم فيها القيم ويعلو فيها القانون فوق الجميع‎.‎
الامين العام السابق لاتحاد المحامين العرب

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.