
كتب حسين زلغوط في موقع “رأي سياسي”:
تتقدّم ورشة إعادة إعمار الجنوب اللبناني، وإن ببطء، إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، بالتوازي مع تصاعد الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية يُفترض أن تواكب أي انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. فإلى جانب الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، تتكثف الاتصالات، بعيدًا من الأضواء، بين شركات أميركية وسعودية وقطرية، استعدادًا للمرحلة التي تلي انتهاء العمليات العسكرية وفتح الباب أمام إعادة بناء ما دمرته الحرب.
ولا تبدو هذه التحركات منفصلة عن المشهد السياسي الأوسع، بل تأتي في إطار مقاربة جديدة تعتبر أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو إنسانية، بل مدخل أساسي لإعادة إنتاج الاستقرار في الجنوب وترسيخ معادلات أمنية واقتصادية جديدة.
وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية والاقتصادية إلى أن شركات دولية متخصصة في البنى التحتية والطاقة، وإعادة تأهيل المرافئ والاتصالات، تبدي اهتمامًا متزايدًا بالدخول إلى السوق اللبنانية فور توافر الظروف المناسبة. ويبرز، في هذا السياق، دور خليجي متقدم، ولا سيما من السعودية وقطر، اللتين تنظران إلى إعادة الإعمار باعتبارها فرصة لدعم استقرار لبنان وإعادة دمجه في محيطه العربي، بالتوازي مع انفتاح اقتصادي وسياسي متجدد بين بيروت والعواصم الخليجية.
أما الحضور الأميركي، فيتجاوز البعد الاقتصادي البحت، إذ يرتبط برغبة واشنطن في رعاية مرحلة ما بعد الحرب، وضمان أن تكون عملية إعادة الإعمار جزءًا من رؤية أوسع تشمل تثبيت الحدود، وتعزيز دور الدولة اللبنانية، ودعم المؤسسات الرسمية، وخصوصًا الجيش اللبناني.
وفي موازاة ذلك، يتزايد الحديث عن عقد مؤتمر عربي أو دولي مخصص لإعادة إعمار لبنان، بمشاركة دول مانحة ومؤسسات مالية دولية وصناديق استثمار إقليمية. وتبرز أسماء عدة لاستضافة هذا المؤتمر، من بينها باريس والدوحة، في ظل اهتمام أوروبي وخليجي بتوفير التمويل اللازم لمشاريع إعادة التأهيل وإعادة بناء البنى التحتية والمرافق العامة. كما يجري التداول بإمكانية اضطلاع المؤسسات المالية الدولية بدور محوري في إدارة التمويل والإشراف على تنفيذ المشاريع، وفق آليات رقابية صارمة تضمن الشفافية وحسن إدارة الأموال.
غير أن الطريق إلى الإعمار لا يزال محفوفًا بالتحديات. فالمجتمع الدولي يربط أي التزام مالي واسع النطاق باستقرار الوضع الأمني، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق مسار إصلاحي شامل يعيد الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها. كما أن الجهات المانحة تشدد على ضرورة اعتماد آليات شفافة تمنع الهدر والفساد، وتضمن وصول التمويل إلى مستحقيه.
وفي المقابل، يدرك لبنان أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يتطلب تجاوز المقاربة التقليدية القائمة على ترميم الأضرار فحسب، والانتقال إلى رؤية تنموية متكاملة تعيد إحياء الاقتصاد المحلي، وتؤمّن فرص عمل، وتدفع نحو تثبيت السكان في قراهم وبلداتهم الحدودية.
وعليه، يبدو الجنوب اللبناني مقبلًا على مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الإعمار مع السياسة، وتلتقي المصالح الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية. وبينما تتسارع الاتصالات الدولية والإقليمية، يبقى الرهان الأساسي على قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام المبادرة، وتحويل الدعم الخارجي المرتقب إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الجنوب على أسس أكثر صلابة واستدامة
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package