مقال بقلم السفير الدكتور موهان كومار
“فيكسيت بهارات” 2047: خارطة طريق للتحول إلى دولة متقدمة

يُحسب للحكومة الهندية أنها وضعت لنفسها وللبلاد هدفاً جوهرياً، يتمثل في تحويل الهند إلى “فيكسيت بهارات” (Viksit Bharat) -أي الهند المتقدمة- بحلول عام 2047، وهو العام الذي يوافق الذكرى المئوية لاستقلال الهند. ورغم وجود اتفاق عام على أنّ مصطلح “فيكسيت بهارات” يشير إلى دولة متقدمة، إلاّ أنه لا يزال من الضروري لأغراض السياسة العامة تفكيك هذا المفهوم للوقوف على مضامينه وتفاصيله. وفي ما يلي محاولة للقيام بذلك.
اقتصاد بحجم 10 تريليونات دولار: في حين يحق للهند أن تفخر بكونها رابع أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، تظل الحقيقة أن ناتجها المحلي الحالي البالغ 4.5 ترليون دولار يُعد دون المستوى لمأمول بالنسبة لبلد يقترب عدد سكانه من 1.5 مليار نسمة. لذا، كي تصبح الهند دولة “متقدمة” (Viksit) بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتعين أن ينمو ناتجها المحلي الإجمالي بشكل كبير ليصل إلى 10 تريليونات دولار على الأقل. وهذا هدف قابل للتحقيق تماماً إذا ما تمكنا من إنجاز أمرين: أولاً، تشكل التجارة الخارجية 40% من ناتجنا المحلي الإجمالي، وبالتالي لا بد أن تتضاعف حصتنا في التجارة الدولية؛ وتحديداً، ينبغي أن ترتفع حصتنا من الصادرات العالمية التي تحوم حالياً حول 2% لتصل إلى 10%. وثانياً، يجب أن تشهد الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدينا -التي بلغت في العام الأخير ما يقل قليلاً عن 100 مليار دولار- نمواً هائلاً ومضاعفاً. ولتحقيق هذين الأمرين، يتعين على الحكومة الهندية تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية تشمل قطاعات الأراضي، والعمالة، والطاقة، والزراعة، والبنية التحتية، فضلاً عن معالجة العقبات التنظيمية.
النمو الاقتصادي الشامل: لا شك في ضرورة تسريع وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي -كما ذُكر آنفاً- إلا أن ذلك وحده لا يكفي. يجب أن يكون النمو شاملاً، بمعنى أن تصل ثماره إلى الفئات الأقل حظاً والقابعة في قاعدة الهرم الاجتماعي. لقد وضعت الحكومة برامج ممتازة، مثل مبادرة “برادان مانتري غاريب كاليان يوجانا” (Pradhan Mantri Garib Kalyan Yojana). ولكن ينبغي تجاوز ذلك ليصبح توفير فرص العمل للشباب أولوية وطنية قصوى تتبناها كل من الحكومة المركزية وحكومات الولايات. ونظراً لاستحالة قيام الحكومة وحدها -أو حتى القطاع المنظم- بتوفير كافة فرص العمل اللازمة، تبرز أهمية بالغة لتهيئة بيئة تمكّن الشباب من التحول إلى رواد أعمال ومبتكرين لفرص العمل، بدلاً من الاكتفاء بكونهم باحثين عن وظائف. ولا يمكن الاستمرار بمستويات التفاوت الاقتصادي الراهنة ولا بد من بذل الجهود لجعل المجتمع أكثر مساواة وعدالة.
تنمية المهارات: من المسلّم به أن نظامنا التعليمي يعتمد بشكل كبير على الحفظ والتلقين، ويُخرّج سنوياً آلاف الخريجين الذين قد لا يكونون مؤهلين للانخراط الفوري في سوق العمل. وفي هذا السياق، تكتسب مسألة تنمية مهارات الخريجين وإعادة تأهيلهم أهمية بالغة. ويجب التعامل مع مبادرات التدريب المهني، والتعاون بين قطاعي الصناعة والأوساط الأكاديمية، وتزويد الخريجين بالمهارات التقنية (بما في ذلك مهارات الذكاء الاصطناعي) باعتبارها أولويات قصوى تتطلب تضافر الجهود والعمل الجاد. كما يتعين زيادة الإنفاق على التعليم -سواء في القطاع العام أو الخاص- بشكل هائل، لا سيما في الولايات التي تقل مؤشراتها عن المعدل الوطني. وبالتوازي مع ذلك، يجب إيلاء أولوية قصوى لأنشطة البحث والتطوير في جميع المؤسسات المعنية. صحيحٌ أن تعداداً سكانياً يقارب 1.5 مليار نسمة يمكن أن يشكل “عائداً ديموغرافياً” للهند، ولكن هذا لا يتحقق إلا إذا كان السكان يتمتعون بالمهارات الكافية لمواجهة تحديات اقتصاد المعرفة.
الصحة: يشهد نظام الرعاية الصحية في الهند تحولاً جذرياً مدفوعاً بالتحول الرقمي وتوسيع البنية التحتية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة ناجمة عن ارتفاع التكاليف الطبية وتزايد عبء الأمراض المزمنة. وقد بذلت الحكومة جهوداً كبيرة – مثل مبادرتي “أيوشمان بهارات” (Ayushman Bharat) و”أيوشمان أروغيا ماندير” (Ayushman Arogya Mandir) – التي كان لها أثر ملموس في توفير الرعاية الصحية في البلاد. كما تضاعفت أعداد المقاعد المتاحة في كليات الطب أكثر من مرتين منذ عام 2014، وذلك في مسعى لسد الفجوة بين أعداد الأطباء والمرضى. وبالتوازي مع ذلك، جرت محاولات ناجحة لترويج الهند كمركز عالمي للسياحة العلاجية. ورغم كل هذه الجهود، لا تزال هناك تحديات جسيمة، إذ لا يزال الإنفاق العام على الرعاية الصحية دون المستويات المأمولة. كما تواجه الهند خطر التحول إلى عاصمة عالمية لأمراض القلب والسكري. لذا، يتعين على الهند مواصلة عملية التحول الشامل في البنية التحتية للصحة العامة، لضمان توفير خدمات صحية يسهل الوصول إليها وبتكلفة معقولة وتتسم بالجودة العالية لغالبية السكان. وفي هذا السياق، تؤدي “البعثة الوطنية للصحة” (National Health Mission) دوراً يستحق الإشادة، غير أنها تحتاج إلى مزيد من التعزيز والتبسيط في آليات العمل.
التنمية المستدامة: لا ينبغي للهند أن تحذو حذو الدول الصناعية التي اتبعت مساراً عالي الانبعاثات الكربونية في التنمية، ولا حتى الصين التي لا تزال تحرق كميات من الفحم تفوق ما يحرقه بقية العالم مجتمعاً. وتُعد الهند اليوم الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي يمتلك إمكانية اتباع مسار منخفض الكربون للتحول إلى اقتصاد مرتفع الدخل قائم على التنمية المستدامة. وعلى الهند القيام بذلك ليس فقط استجابةً لرغبة العالم، بل لأن شعبها يستحق ذلك كحق أصيل.
الخلاصة: تتمتع الهند بالفعل بوضع يؤهلها لتصبح “فيكسيت بهارات” (الهند المتقدمة) بحلول عام 2047. غير أن البلاد بحاجة إلى العمل وفق نهج “وضع المهمة” (أي بتركيز عالٍ وتصميم حازم)، كما يتطلب الأمر اعتماد نهج حكومي شامل لضمان استنفاد كافة السبل وبذل أقصى الجهود في هذا المسعى الوطني. ومما لا شك فيه أن السنوات العشرين المقبلة ستكون الفترة الأكثر أهمية وحسماً في تاريخ الهند.

الدكتور موهان كومار هو سفير هندي سابق لدى فرنسا، ويشغل حالياً منصب عميد وأستاذ في جامعة “أو. بي. جيندال” العالمية. الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظره الشخصية.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.