أين ذهبت تلك الألوان التي كانت تسكن تفاصيل حياتنا؟

بقلم:رحاب هاني خطار
حين ننظر إلى صور البيوت القديمة، نتوقف عند وجوه أصحابها، ونتوقف أيضًا عند ما كان يحيط بهم: برّاد أحمر أو فيروزي، مطبخ بألوان دافئة، ستائر مزهرة، ثياب تحمل ألوانها بثقة، وسيارات لا تخشى الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر.
كان اللون جزءًا من المشهد، لا قرارًا يحتاج إلى جرأة.
أما اليوم، فننظر حولنا فنجد عالمًا أكثر هدوءًا، وأكثر تشابهًا. المطابخ بيضاء أو رمادية أو سوداء، الأجهزة تميل إلى الفضي والمعدني، الملابس تزدحم بالأسود والبيج والأبيض، والسيارات تكاد تتفق على الألوان نفسها.
حتى السيارة الحمراء التي تمر في الطريق تلفت نظرنا، لأنها أصبحت استثناءً في مشهد يغلب عليه الحياد.
وهذا التحوّل لا يقف عند حدود الانطباع.
تشير بيانات حديثة عن سوق السيارات إلى أن الأبيض والأسود والرمادي والفضي باتت تستحوذ على أكثر من 80% من السيارات الجديدة، بعدما كانت حصتها أقل بكثير قبل عقود. وهذا يكشف تغيرًا واضحًا في الذوق العام، وفي الخيارات التي أصبحت تبدو لنا أكثر أمانًا وقبولًا.
فلماذا؟
ربما لأننا أصبحنا نبحث عن الأمان في الاختيار.
اللون الجريء يعلن عن نفسه. أما الرمادي فلا يطلب كثيرًا منّا. الأبيض ينسجم مع كل شيء، والأسود لا يخرج بسهولة من الموضة. إنها ألوان عملية، سهلة التنسيق، وتناسب ذوقًا عامًا يميل إلى الهدوء.
حتى المطابخ الملونة التي عُرفت بها عقود سابقة تراجعت أمام التصميم الحديث ذي الخطوط النظيفة والألوان المحايدة. وربما تخبرنا أبحاث علم اللون بما نعرفه أصلًا: أن اختيارنا لونًا ما مرتبط بذوقنا، وبالصورة التي نريد أن نعطيها عن أنفسنا، وبالسياق الثقافي والاجتماعي الذي نعيش فيه.
وربما لا تتعلق الحكاية بالسوق وحده.
ثمة شيء تغيّر فينا أيضًا.
صرنا نخشى أحيانًا أن نختار ما لا يشبه الآخرين.
نريد بيتًا عصريًا، وثوبًا عمليًا، وسيارة لا نندم عليها، حتى صار سؤال :هل أحب هذا اللون؟
أقل حضورًا من سؤال: هل سيبقى مقبولًا؟.
وهنا تضيق مساحة الاختيار من دون أن نشعر.
ليس المطلوب أن نعود إلى الماضي، ولا أن نتخلى عن الأبيض والرمادي والأسود. فهذه ألوان جميلة، وقد تكون أحيانًا أكثر ما يعبّر عنا.
ربما نحتاج فقط إلى أن نستعيد حقنا في اللون.
أن نختار لأننا أحببنا، لا لأن الجميع اختار.
أن نترك للبيت نافذة زرقاء، وللفستان لونًا جريئًا، وللطفل غرفة لا تشبه غرف الكبار، وللشارع سيارة حمراء تمرّ فتوقظ العين.
فالألوان لم تختفِ من العالم.
هي ما زالت في البحر، والحقول، والورد، والسماء.
الذي تغيّر ربما هو أننا أصبحنا أقل استعدادًا لأن نحملها معنا.
فأين ذهبت هذه الألوان؟
ربما لم تذهب إلى مكان.
ربما نحن الذين ابتعدنا عنها قليلًا.

عن mediasolutionslb

مجلة سيدات وأعمال مجلة اقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة صاحب الامتياز رئيس التحرير الصحافي حسين حاموش. موقع سيدات وأعمال sayidatwaa3mal.com موقع اخباري شامل الناشر حسين حاموش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.