الهندسة الماليّة لمصرف لبنان استهدفت تمتين القاعدة الرأسماليّة للمصارف
ودعم الإحتياطيات للمركزي وسياسة الإستقرار النقدي
اوردت جمعية مصارف لبنان من تقريرها السنوي حول التطورات الاقتصادية العامة في العام 2016 وفيه شرح مفصل عن «الهندسة المالية» الاخيرة التي نفذها مصرف لبنان بالتنسيق مع المصارف ووزارة المالية في ايار 2016.
وجاء في التقرير المذكور الالية الكاملة للهندسة واهدافها وتأشيرتها على رسملة المصارف وعلى تمويل الاقتصاد ودعم احتياطات المركزي وبالتالي دعم سياسة الاستقرار النقدي.

الهندسة المالية
نفذ مصرف لبنان عمليات مالية استثنائية بالتنسيق مع المصارف ووزارة المالية، بدأت في ايار 2016 واستمرت حتى اواخر العام المذكور. هدفت بشكل خاص، بين عدة امور امور، الى تعزيز موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية، من منطلق ان تأمين ميزانية قوية يضمن استقرار سعر الصرف واسعار الفائدة. وجاء ذلك بعد ان سجلت موجودات مصرف لبنان الخارجية تراجعاً في العام 2015 وفي الثلث الاول من العام 2016 في ظل تباطؤ التدفقات المالية الى لبنان – مع احتمال بقاء هذا المنحى او حتى اشتداده – واستمرار الاحتياجات الضخمة للاقتصاد بالعملات الاجنبية، الى جانب الفراغ الرئاسي المستمر منذ نحو عامين وتأثيره على الاوضاع السياسية في البلد.
ومن اهداف الهندسة ايضاً تمتين القاعدة الرأسمالية للمصارف لكي تلتزم بالمعايير الدولية (الجديدة) ذات الصلة وتتمكن من الاستمرار في تمويل الاقتصاد وفي دعم احتياطيات مصرف لبنان، وبالتالي في دعم سياسة الاستقرار النقدي. لذلك، طلب مصرف لبنان من المصارف تخصيص الارباح او العائدات الناتجة عن هذه العمليات في الشريحة الثانية من رأس المال Tier II Capital))، ما يمكن المصارف من الالتزام بالمعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 ((IFRS في بداية العام 2018 ومن بلوغ معدل الملاءة الذي يطلبه المصرف المركزي في نهاية العام 2018 والبالغ 15% من انعكاساتها الاخرى، كان تحسين وضعية ميزان المدفوعات بحيث سجلت الموجودات الخارجية الصافية للجهاز المالي فائضاً في العام 2016 بقيمة تجاوزت 2،1 مليار دولار بعد عجوزات متتالية في فترة السنوات 2011- 2015 بلغ تراكمها ما يزيد عن 4،9 مليارات دولار، هذا بالاضافة الى تخفيض كلفة خدمة الدين العام وتحسين النظرة المستقبلية الى لبنان وزيادة السيولة بالعملة الوطنية بغية تمويل الاقتصاد بالشروط الفضلى، والنجاح الكبير لاصدار سندات اليوروبندز في اذار 2017، ان لناحية حجم الاصدار وشروطه وحجم الطلب الكبير عليه. كما كان لها تأثير واضح في نمو وتركيبة ميزانية المصارف. ان لجهة الموجودات او المطلوبات، وايضاً على ميزانية مصرف لبنان لناحية الزيادة الكبيرة في التزاماته بالعملات الاجنبية وفي كلفتها، وزيادة محفظته من سندات الخزينة بالليرة، هذا بالاضافة طبعاً الى ارتفاع موجوداته بالعملات الاجنبية. وقبل الدخول في تفاصيل بعض هذه الانعكاسات (بعض تأثيرات الهندسة على الوضع النقدي). سنتوقف عند الية الهندسة المالية الاخيرة لمصرف لبنان.
عملية الاستبدال
بالنسبة الى آلية الهندسة المالية، فقد تمثلت اولا بعملية استبدال ما يوازي ملياري دولار اميركي من محفظة مصرف لبنان من سندات الخزينة بالليرة اللبنانية بسندات يوروبندز، وذلك في اطار اتفاقية مع وزارة المالية. وقضت ثانياً ببيع مصرف لبنان سندات اليوروبندز التي حصل عليها (2 مليار دولار) للمصارف واصداره شهادات ايداع بالدولار (بقيمة فاقت 11 مليار دولار) مقابل تدفقات بالعملات الاجنبية تحولها المصارف من الخارج. وقضت ثالثاً باعطاء حوافز للمصارف عن طريق حسم المصرف المركزي سندات خزينة بالليرة (وشهادات ايداع) من محفظة المصارف بفائدة صفر بالمئة وبقيمة توازي قيمة الاكتتابات بسندات اليوروبندز وشهادات الايداع بالدولار الاميركي التي تضمنتها المرحلة الثانية من العملية، على ان يدفع مصرف لبنان للمصارف بشكل فوري وبالعملة المحلية نصف قيمة الفوائد التي كانت ستحققها المصارف لو احتفظت بهذه الاوراق المالية حتى استحقاقها.
وفي ظل الحوافز المتقدمة، جهدت المصارف في تأمين السيولة للاكتتاب بالاوراق المالية بالعملات الاجنبية. ونجحت بذلك من خلال اجتذاب ودائع من الخارج (بما يزيد عن 5 مليارات دولار، اي حوالى 40% من الاكتتابات)، وبيع جزء من سندات اليوروبوند في محفظتها (حوالى 5 مليارات دولار اي 40% من الاكتتابات)، وسحب جزء من ودائعها لدى المصارف المراسلة (بحدود ملياري دولار، اي اقل من 20% من الاكتتابات).
تدعيم اجمالي الاحتياطات
واستطاع المصرف المركزي من جراء الهندسة المالية الاخيرة تدعيم اجمالي احتياطياته بالعملات الاجنبية الذي ارتفع الى حوالى 34.0 مليار دولار في نهاية العام 2016 مقابل 30.6 مليار دولار في نهاية العام 2015، هذا عدا توظيفاته في الاوراق المالية العالمية التي ارتفعت قليلا بحسب الارقام المتوافرة الى حوالى 5..6 مليارات دولار في نهاية العام 2016 مقابل حوالى 5.3 مليارات دولار في نهاية العام 2015. وبلغ اجمالي موجوداته بالعملات الاجنبية 40.7 مليار دولار في نهاية 2016 مقابل 37.1 ملياراً في نهاية العام 2015. ونشير ايضاً الى امتلاك مصرف لبنان محفظة من سندات الخزينة اللبنانية بالعملات الاجنبية Eurobonds سجلت هي ايضاً ارتفاعا بحسب تقديراتنا. ونذكر في هذا الاطار بأن مصرف لبنان يمتلك مخزوناً ضخماً من الذهب، وضعه في المرتبة 18 عالمياً وفي المرتبة الثانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا من حيث احتياطيات الدول بحسب اللائحة الصادرة في اذار 2017 عن «مجلس الذهب العالمي». علماً ان قيمة هذا المخزون ازدادت الى حوالى 10.7 مليارات دولار في نهاية العام 2016 مقابل حوالى 9.8 مليارات دولار في نهاية العام 2015 بسبب ارتفاع سعر أونصة الذهب عالمياً في التاريخين المذكورين، والناتج بشكل خاص من ارتفاع الطلب الاستثماري (لا سيما بسبب الضبابية التي كانت سائدة بخصوص الانتخابات الأميركية وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي). وكما هو معلوم، تُعتبر الاحتياطيات المكوّنة من العملات الأجنبية والذهب من العناصر الأساسية التي تدعم الثقة بالعملة الوطنية. ويُعتبر مستوى احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية كافياً للدفاع عن سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي ومواجهة أي ضغوط محتملة، وذلك باعتراف أهم الجهات المالية العالمية، من بينها صندوق النقد الدولي.
ودائع المصارف
ازدادت ودائع المصارف بالعملات الاجنبية لدى مصرف لبنان على نحو ملحوظ في العام 2016، وذلك بقيمة تجاوزت 13 مليار دولار بحسب تقديراتنا، وساهمت على نحو كبير في تدعيم احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الصعبة، وبالتالي في تعزيز الاستقرار النقدي. واتى ذلك بخاصة نتيجة اصدارات مصرف لبنان شهادات ايداع بالدولار بشكل مكثّف منذ ايار 2016 في ضوء الهندسة المالية التي قام بها. بالفعل، سجلت محفظة شهادات الايداع بالدولار ارتفاعا لافتا من حوالى 9.1 مليارات دولار في نهاية العام 2015 الى 21.9 ملياراً في نهاية العام 2016، وتركّزت الاصدارات الجديدة في العام 2016 بشكل خاص على فئة الـ 6 سنوات بفائدة 6.25%، وفئة الـ7 سنوات بفائدة 6..4%، وفئة الـ 10 سنوات بفائدة 6.63% وفئة الـ13 سنة بفائدة 6.85%، هذا بالاضافة الى اصدارات محدودة لشهادات من فئة الـ30 سنة بفائدة 7..4%.
ويمكن ادراج الهندسة المالية الأخيرة لمصرف لبنان أنها أمنت مسبقاً الحاجات التمويلية للاقتصاد اللبناني لفترة من الزمن. وقد سمحت عملية استبدال سندات الخزينة بالليرة بسندات اليوروبندز بإطالة أجال السندات المستبدلة، وأراحت السوق من بعض الاستحقاقات القريبة. هذا ولعبت الهندسة المالية دوراً ايجابياً في نجاح اصدار آذار 2017 لناحية حجمه القياسي ولناحية حجم الطلب الداخلي والخارجي على الاكتتاب الذي بلغ حوالى ستة أضعاف المبلغ الذي تم اصداره. فقد نتجت من هذه الهندسة زيادة في الطلب الخارجي على السندات اللبنانية، ومع سماح المصرف المركزي للمصارف بحسم شهادات الايداع للاكتتاب باصدار اذار 2017، يمكن القول أنه أمّن مسبقاً، من خلال الهندسة المالية، العملات الاجنبية التي ستحتاج اليها الدولة في فترة لاحقة.
عمليات المقايضة
من نتائج عمليات المقايضة مع مصرف لبنان ايضاً ارتفاع محفظة سندات الخزينة بالليرة التي يملكها المصرف المركزي جرّاء عمليات الحسم. ففي الواقع، سجلت محفظة مصرف لبنان من سندات الخزينة بالليرة ارتفاعا ملحوظاً وغير مسبوق من حيث القيمة المطلقة في العام 2016 فوصلت الى 30150 مليار ليرة في نهايته مقابل 23907 مليارات ليرة في نهاية العام 2015، لترتفع حصة المصرف المرزكي بشكل لافت الى 42.9% في نهاية العام 2016. مع العلم ان ارتفاعها في الثلث الأول من العام الفائت حيث وصلت الى 26359 مليار ليرة في نهاية نيسان 2016 جاء نتيجة تدخّل مصرف لبنان شارياً سندات خزينة في السوق الأولية، ثم تراجعت الى 24036 ملياراً في نهاية أيار 2016 بسبب عملية استبدال سندات بالليرة من محفظة المركزي بسندات يوروبندز في الشهر المذكور.
لعبت السيولة الناتجة من حسم الأوراق المالية بالعملة المحلية في اطار الهندسة المالية الأخيرة دوراً رئيسياً في استقرار معدلات الفائدة بالليرة في العام 2016، هذا الى جانب استمرار اصدار وزارة المالية سندات خزينة ذات آجال طويلة، وتدخّل مصرف لبنان عند الحاجة في السوق الأولية لسندات الخزينة والذي تركّز في الثلث الأول من 2016. وعمدت وزارة المالية في شهرَي كانون الاول 2016 وكانون الثاني 2017 الى اصدار سندات خزينة لمدة 5 سنوات بفائدة استثنائية منخفضة بلغت 5% (بدل 6.74%) للاستفادة من هذه السيولة الفائضة.
* في اطار التحكّم بالسيولة بالليرة، نشير الى سماح مصرف لبنان للمصارف بايداع فائض سيولتها الناتجة من عمليات المقايضة على شكل ودائع لأجل لديه، علماً أنه أعيد توظيف جزء منها بسندات الخزينة بعد أن أصدرت وزارة المالية ما قيمته 3300 مليار ليرة من سندات الخزينة من فئة خمس سنوات وبمعدل فائدة استثنائي بلغ 5%.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package